رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المبالغة في تقدير الإيرادات النفطية

تتكون إيرادات الدولة بشكل رئيس من إيرادات نفطية وإيرادات غير نفطية. وتشكل الإيرادات النفطية معظم إيرادات الدولة، حيث وصلت نسبتها في عام 2012 إلى نحو 92 في المائة من إجمالي الإيرادات. وتتأثر الإيرادات النفطية بالتطورات في أسواق النفط الدولية التي تتحدد فيها أسعار النفط وكميات الطلب على النفط السعودي. ويبالغ الكثير من المتخصصين والمحليين في تقدير حجم الإيرادات النفطية، حيث يعتقدون أن إجمالي قيمة الإنتاج الوطني من النفط الخام خلال عام تمثل إيرادات الدولة النفطية، أو بعبارة أخرى أنها مجرد نتيجة ضرب إجمالي إنتاج النفط السنوي بأسعاره. ويقدر هؤلاء حجم الإنتاج والأسعار بطريقة مبسطة وبعض الأحيان ساذجة. ولهذا نرى أرقاماً متدنية لأسعار النفط التي يعتقد هؤلاء أن تقديرات إيرادات الميزانية بنيت عليه. ويتغافل البعض منهم عن ضرورة الرجوع إلى مصادر موثقة لمعرفة حجم الإنتاج الذي يتغير من شهر إلى شهر، كما يتغافل الكثير منهم عن حقيقية أن تركيبة أسعار النفط التي تحصل عليها المملكة معقدة وليست بالبساطة التي يظنها معظم الناس، حيث تصدّر المملكة عدة أنواع من النفط وليس نوعاً واحداً، كما أن أسعار هذه النفوط تختلف حسب مناطق الاستهلاك، فالأسعار في أوروبا غيرها في الشرق الأقصى أو في أمريكا الشمالية. وتتغير أسعار النفط بشكل مستمر، وتصدر شركة أرامكو فروقاً شهرية بين أسعار نفوطها والنفوط المنافسة في الأسواق المختلفة. ولا يقتصر الأمر على تقدير أسعار النفوط المصدرة بل إن جزءًا من الصادرات النفطية عبارة عن سوائل غاز تختلف أسعارها عن أسعار النفط الخام أو المكرر. وتستهلك المملكة جزءًا كبيراً من إنتاجها من سوائل الغاز، حيث يباع إلى الصناعات البتروكيماوية بأسعار مخفضة. وتحدد إيرادات النفط بشكل رئيس على أساس كميات الصادرات النفطية وليس على أساس إجمالي الإنتاج الوطني. ويباع النفط المستهلك محلياً للمصافي المحلية بأسعار شبه مجانية كما يزود المستهلكون الرئيسون كشركة الكهرباء ومحطات التحلية وبعض الصناعات المحلية مثل صناعة الأسمنت بأسعار متدنية للغاية. ويسري الأمر نفسه على الغاز الطبيعي الذي يباع إلى المستهلكين المحليين بأسعار منخفضة جداً لا تكاد تغطي تكاليف تطويره وتسويقه. وتشكل إيرادات النفط ومنتجاته والغاز المحلية جزءًا منخفضاً للغاية من الإيرادات النفطية. ولهذا يمكن استثناء إيرادات الاستهلاك المحلي بصورة تقريبية من إيرادات النفط، حيث لا تغطي هذه الإيرادات تكاليف الإنتاج والتسويق. وحتى لو تم التركيز فقط على إيرادات الصادرات النفطية فإن الإيرادات النفطية لا تعني ببساطة حاصل نتيجة ضرب حجم الصادرات بأسعارها، ولكن ينبغي خصم تكاليف الإنتاج من هذه الإيرادات. وتعتبر مصروفات شركة أرامكو تكاليف إنتاج يجب خصمها من إجمالي الإيرادات النفطية، حيث تنفق شركة أرامكو أموالا طائلة على عمليات الإنتاج وتطوير الحقول وصيانتها، كما تتحمل الشركة تكاليف استيراد أي مواد مكررة من الخارج أو من مصافي التصدير، وتشترى واردات المواد المكررة بأسعار عالمية بينما تباع في السوق المحلية بأسعار مدعومة. إن معظم تقديرات النفط التي يصدرها من يتصفون بالمتخصصين تبعد كثيراً عن الصواب وتميل للمبالغة في حجمها، حيث ينبغي عند تقدير إيرادات النفط اعتبار كل المتغيرات التي تؤثر في الإنتاج والصادرات والأسعار. وتحدد الإيرادات النفطية للمملكة سياساتها المالية وهي التي تمكنها من تبني سياسات توسعية كما تجبرها على تبني سياسات انكماشية في حالة تراجعها، أما الإيرادات غير النفطية فإن تأثيرها هامشي في السياسات المالية حيث تشكل جزءًا يسيراً من إجمالي الإيرادات كما أن إمكانات زيادتها لمستويات فعالة تبدو محدودة للغاية.
وتواجه إيرادات الدولة مخاطر بالتراجع خلال السنوات المقبلة، وتتصل معظمها بالمخاطر الناشئة عن احتمال تراجع الإيرادات النفطية المستقبلية. وتتركز مخاطر تراجع الإيرادات النفطية في تراجع مستويات الصادرات الذي سيأتي نتيجةً لارتفاع الاستهلاك الداخلي من النفط والغاز ومشتقاتهما، وفي ارتفاع تكاليف الإنتاج وإمكانية تراجع الأسعار. وتشير التطورات التاريخية لأنماط الاستهلاك المحلي للطاقة خلال العقود الثلاثة الماضية إلى زيادتها بمعدلات تصل إلى نحو 4 في المائة سنوياً، وهو ما يمثل في الوقت الحالي أكثر من 100 ألف برميل يومياً. وما لم تتم زيادة الإنتاج الوطني من النفط بمعدلات لا تقل عن الزيادة في الاستهلاك المحلي، فإن حجم الصادرات النفطية سيتراجع مع مرور الوقت. وإضافة إلى ذلك فإن هناك توجسا من ارتفاع تكاليف إنتاج النفط والغاز بسبب استنزاف الثروات النفطية مع مرور الوقت والحاجة المتصاعدة لإنفاق مبالغ إضافية ضخمة على صيانة الحقول النفطية وإبقاء الإنتاج عند مستويات عالية أو زيادته. يضاف إلى ذلك أن هناك مخاطر من تراجع أسعار النفط. ويبدو في الوقت الحالي أن مستويات الطلب المستقبلية ستدعم مستويات الأسعار الحالية لفترة من الزمن، ولكن قد تقود الطفرات التقنية في استهلاك أو إنتاج بدائل للنفط إلى تراجع في أسعاره.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي