الأسواق الناشئة تتفحص دفاعاتها تحسبا لعاصفة مالية
من ناحية عملية، يبدو كل شيء اليوم مصنوعاً في آسيا. أعني كل شيء، باستثناء الأزمات الاقتصادية. ولوهلة على الأقل، هذه الأشياء لا يزال من الممكن إنتاجها في الولايات المتحدة.
ومنذ أن أشار بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أيار (مايو)، إلى احتمال وجود نهاية في المستقبل المنظور لسياسة التسهيلات المالية النشطة، بدأت الأسواق الناشئة تتعرض لامتحان قاسٍ. وأدى الحديث عن تخفيض تدريجي في ما قيمته 85 مليار دولار شهريا من مشتريات الاحتياطي الفيدرالي من السندات الحكومية الأمريكية في وقت مبكر هو أيلول (سبتمبر)، إلى رفع أسعار الفائدة على السندات الأمريكية طويلة الأجل. ويبدو أن هذا عمل بدوره على إحداث انقلاب جزئي في تجارة المناقلة التي تقوم على اقتراض المستثمرين أموالا بالدولارات بفائدة منخفضة، لشراء أصول ذات عائدات أعلى عادة ما تكون في الأسواق الناشئة. ومنذ ذلك الحين أصبحت العملات وأسواق الأسهم حول العالم في حالة ارتباك، خاصة في الدول التي تعاني عجزا في حساباتها الجارية، التي تمولها التدفقات الرأسمالية المتقلبة.
وفي آسيا التي خرجت من أزمة عام 2008 المالية وكأنها لم تصب بأذى، أُثيرت عدة أسئلة حول اقتصاداتها التي اعتُبِرت حتى وقت متأخر على أنها قصص من النجاح الاقتصادي. مثلا، أصبحت إندونيسيا في دائرة الضوء بعد أن انخفضت عملتها وتراجعت سوق أسهمها، وهي الدولة التي يبلغ عدد سكانها 240 مليون نسمة، والتي حققت نمواً قوياً وثابتاً دام عشر سنوات. وبحسب أرقام نشرها بنك مورجان ستانلي، أنفق بنكها المركزي ما يقارب 15 مليار دولار بين نيسان (أبريل) وتموز (يوليو) الماضيين، أو 14 في المائة من مجموع احتياطياتها، للدفاع عن الروبية. وبالرغم من ذلك تراجعت عملتها منذ أيار (مايو) بنسبة تقارب 15 في المائة مقابل الدولار.
وبالنسبة للهند التي كانت مشاكلها تختمر منذ بعض الوقت، فقد أصبحت في مركز القلق بين أسواق الدول التي تعاني عجزا في حسابها الجاري وماليتها العامة. ولأن الهند تعتمد بقوة على واردات الطاقة، وبقدرات محدودة على التصنيع، فإنها تعاني عجزا في حسابها الجاري يبلغ 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وعجزا في المالية العامة يقترب من 10 في المائة من الناتج، لو حسبنا ديون الحكومات الإقليمية. وأدى القلق على الاقتصاد الهندي إلى شطب 20 في المائة من قيمة الروبية في غضون أشهر قليلة، وهو اقتصاد تراجع معدل نموه إلى النصف منذ عام 2010 ليصل إلى 5 في المائة. وسجلت الروبية في الأسبوع الماضي رقماً قياسياً في الهبوط، كان أكبر ما يسجل في يوم واحد منذ 18 عاماً، وذلك بسبب القلق من الزيادة المحتملة في قيمة فاتورة واردات الهند من النفط، الذي يمكن أن ترتفع أسعاره نتيجة للخوف من تدخل غربي في سورية.
وحتى تايلاند التي كانت تنمو اقتصادياً بنسبة 5 في المائة، بعد أن استعادت عافيتها من فيضانات مدمرة اجتاحتها عام 2011، بدأت بالتحرك نحو الكساد من الناحية الفنية بسبب ضعف الصادرات. وهناك قلق أيضاً حول تكلفة الدعم السخي الذي تقدمه الحكومة لمادة الأرز. ومنذ أيار (مايو) انخفضت سوق الأسهم في بانكوك بنسبة تقارب 15 في المائة.
ومثلما بدأت الأزمة المالية الآسيوية بهجوم على البات التايلاندي عام 1997، يُخشى أن يكون الضغط على عدة عملات آسيوية إيذاناً بقدوم فترة جديدة من الفوضى في منطقة كان يعتقد كثيرون أنها منيعة. وكان المستثمرون قد وضعوا ثقتهم في ما يسمى النمو المستدام ذاتياً، الذي يقوده التطور العمراني وصعود الطبقة الوسطى.
ويضع كثير من المستثمرين ثقتهم في الاتجاه طويل الأمد، لكن النظرة قصيرة الأمد أصبحت سوداء. وبدأ الاقتصاديون الآسيويون يشعرون ليس فقط بتأثير عودة رأس المال إلى موطنه في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً بأثر تباطؤ الاقتصاد الصيني الذي كان محرك النمو الإقليمي والعامل الرئيسي في الدورة العظمى للسلع، التي تبدو الآن وقد شارفت على نهايتها. والفوضى الناتجة عن ذلك لا تقتصر على آسيا وحدها. فهناك دول ابتُليت بمثل ذلك، بدءاً من جنوب إفريقيا وتركيا إلى البرازيل وأستراليا. ومع ذلك سيبقى المستثمرون يمعنون النظر في آسيا لمعرفة ما إذا أصبحت مسحة النمو التي استمرت لفترة طويلة معرضة الآن للخطر.
ويقول جوناثان بينكاس، مدير مركز أبحاث السياسة والتعليم في جاكرتا، وهو يشير إلى تدفق الأموال إلى خارج آسيا، بعد أن بدأ الاقتصاد الأمريكي يتحسن: "إذا كانت التغيرات العالمية كبيرة إلى درجة كافية، لن تستطيع الأسواق الناشئة عمل شيء يذكر حيال ذلك".
ومن بعض النواحي لا يوجد شيء مشترك يذكر في اقتصادات آسيا اليوم مع الحالة التي تجسدت، أو كانت عليها في عام 1997. وإذا عدنا إلى تلك الفترة نجد أن كثيرا من الدول ثبتت أسعار صرف العملة وأن شركاتها مثقلة بالديون الخارجية. وعندما أصبحت العملات عرضة للضغوط استماتت البنوك المركزية في إنفاق احتياطياتها للدفاع عنها. وحين انهار ارتباط العملات في النهاية، حلقت في الأعالي ديون الشركات التي كان أغلبها مقوماً بالعملات الأجنبية.
واضطرت تايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي. ونتيجة لحزم التقشف سيئة السمعة التي فرضها صندوق النقد هوت هذه الدول في كساد اقتصادي عميق، وتأثرت إندونيسيا أكثر من غيرها، بفقدانها 13.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأدى ذلك إلى سقوط الديكتاتور سوهارتو.
اليوم، الصورة مختلفة تماما. أصبح لدى الاقتصادات الآسيوية أسعار صرف مرنة، واحتياطيات أعلى، وأنظمة مصرفية متينة. مثلا، أصبح لدى الهند احتياطيات من العملة الأجنبية تكفي لتغطية سبعة أشهر من الواردات، بينما كان لديها لحظة لجوئها إلى صندوق النقد الدولي عام 1991 احتياطيات تكفي لثلاثة أسابيع تقريبا. كذلك لم يكرس البنك المركزي الهندي الكثير من قوته هذه الأيام في الدفاع عن العملة الهندية. وبدلاً من ذلك كان يسمح غالباً بهبوط الروبية. ومن المفروض أن تعزز العملة المنخفضة الصادرات، وتقلل من الواردات، وتغلق عجز الحساب الجاري بشكل آلي.
يقول بول غرونوولد، الاقتصادي في وكالة التصنيف الائتماني ستاندار آند بورز: "في رأينا، ليس صحيحاً ما يقال عن أن هذا هو تكرار لما حدث عام 1997. الآن لا أحد يدافع عن أسعار الصرف، ولديهم من الاحتياطيات أكثر مما اعتادوا عليه. ولا أعتقد أن أحداً منهم سيتجرع الهوان ويذهب لصندوق النقد الدولي في المستقبل المنظور".
ويتفق أغلب الاقتصاديين على أن هذا لن يكون عودة لعام 1997. لكن هذا لا يعني استبعاد احتمال حدوث أزمة اقتصادية من نوع مختلف. ويقول روشير شارما، من بنك مورجان ستانلي: "كل أزمة مختلفة عن غيرها، ما نعرفه فقط هو العوامل التي تقف وراء كل أزمة من الحقائق التي تأتي بعدها".
وأحد أسباب المخاوف الحالية هو أن أغلب النمو الآسيوي الذي تحقق من عام 2008 جاء معتمداً على الائتمان. كما أن أغلب حزمة التحفيز الهائلة التي قُدمت في الصين في عام 2009 كانت مدفوعة بواسطة التوسع الائتماني. وأغلب القروض تم ضخها من خلال المصارف المنصاعة التي تمتلكها الدولة، إلى المشاريع والشركات المفضلة، وكثير منها غير منتج.
ويبدو الدين العام في الصين متواضعاً نسبياً، لكن عند حساب الدين الإجمالي الذي يتضمن الدين الخاص وديون الشركات يصل إلى 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب مصادر بنك إتش إس بي سي. وهذا يقارب مستويات الولايات المتحدة التي تبلغ 233 في المائة. إذن الصين ليست الوحيدة في رفع مستويات ائتمانها. أما في تايلاند فقد ارتفعت ديون المستهلكين من 55 في المائة إلى 77 في المائة منذ عام 2008، بينما ارتفعت في سنغافورة من أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من ثلثي الناتج. وتبلغ نسبة ديون الأسر في ماليزيا 80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
يمكن أن يستفحل خطر وجود فقاعة في بعض الاقتصادات التي كانت تتميز عملتها حتى وقت قريب بقوة استثنائية. والسبب في ذلك هو التدفق الكبير للأموال الداخلة التي جاءت من الولايات المتحدة، التي تعود الآن إلى موطنها الأصلي من جديد. وإحدى النتائج التي ترتبت على ذلك هي إبقاء البنوك المركزية على سياستها النقدية فضفاضة بقدر الإمكان، ما شجع على زيادة تراكم الائتمان.
ويقول مايكل سبنسر، الاقتصادي في "دويتشه بانك": "يخبرنا التاريخ بأنه عندما تعود السياسة النقدية إلى سابق عهدها، لا يعود بالإمكان خدمة مقدار معين من هذه الديون. وهناك أشخاص لم يسبق لهم أبداً أن أخذوا قروضاً من قبل، وربما لا يستطيعون أن يفهموا بصورة تامة ما يحدث بالضبط عندما ترتفع أسعار الفائدة".
فْريد نويمان، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا في مصرف إتش إس بي سي، قلق هو الآخر من تراكم الديون، ويقول عن الزيادة المتوقعة في أسعار الفائدة الأمريكية: "في معظم الاقتصادات الآسيوية نحن نقع في مستويات من الرفع المالي التي تجعل هذه الاقتصادات حساسة جداً للتغير الهامشي في كلفة رأس المال. ومن هذا المنظور تبدو الأمور في الواقع مقلقة جداً".
ولدى بعضهم وجهة نظر أكثر تشاؤماً، إذ يتوقع كيفين لاي، الاقتصادي في مؤسسة دايوا للأوراق المالية، حدوث أزمة ديون واسعة ومفتوحة. ويقول: "نحن نتحدث عن فقاعة ائتمان هائلة لأننا في المقام الأول لا نحتاج في آسيا إلى عملية التسهيل الكمي. نحن نتحدث عن أزمة محتملة في ميزان المدفوعات، وأزمة في العملات، وأزمة في الديون".
هذا رأي واحد من الأقلية، لكن حتى الذين يستبعدون حدوث أزمة منهجية في النظام بكامله يعترفون بأن بعض الاقتصادات الناشئة ستتعرض لامتحان قاس بسبب حالات الانقلاب الحاد في أسعار الفائدة والتدفقات الرأسمالية. ويمكن أن يضع ذلك الشركات تحت ضغط إذا اقترضت بفوائد منخفضة، خاصة إذا دخلت، مثلما حدث في عام 1997، في تعاملات في عملات أجنبية من دون نظام تحوط يقلل من احتمالات الخسارة.
وسُلطت الأضواء في آسيا على الهند وإندونيسيا. وبحسب غرونوولد، من "ستاندار آند بورز"، في عالم مثالي سوف تستجيب هاتان الدولتان إلى مخاوف السوق ليس عن طريق التدخل في الضوابط الرأسمالية، كما فعلت الهند، وإنما من خلال السير في إصلاحات اقتصادية قوية. ويمكن أن تأخذ مثل تلك الإجراءات شكل تخفيض عجز الميزانية، مثلاً عن طريق تخفيض الدعم على سلع معينة كالوقود أو الطعام. وبدلاً من ذلك يمكن أن تستهدف كل دولة جذب مزيد من التدفقات الرأسمالية الداخلة، خاصة من خلال تحسين البيئة أمام الاستثمار الأجنبي المباشر.
وتمضي كل من الهند وإندونيسيا في العد العكسي للانتخابات العامة، ما يرجح إلى حد كبير عدم اتخاذ إجراءات غير شعبية. وخطت الهند أخيرا خطوات تجاه جذب الاستثمار الأجنبي، لكن حتى لو نجحت في ذلك، لن تتدفق الأموال بسرعة تكفي لمواجهة حاجات التمويل الفوري - أجلت مجموعة وول مارت الأمريكية خططا للتوسع في الهند وكان أحد الأسباب هو الأنظمة غير المتوقعة.
ويجادل شارما بأن التقلبات الأخيرة هي أكثر من مجرد نبضة خلل في السوق. ويقول إن النمو في الأسواق الناشئة من أولها إلى آخرها خلال العقد الماضي كان أمراً شاذاً. وهذا أغرى الخبراء وصناع السياسة بالاعتقاد بما يسمى "أسطورة التقارب"، أي العملية التي تقوم فيها مستويات المعيشة في البلدان الفقيرة بلا هوادة بإغلاق الفجوة مع البلدان الأغنى. وخلال مسيرة أي عقد معين منذ الخمسينيات، كما يقول شارما، استطاع ثلث الأسواق الناشئة فقط أن يحقق نمواً ثابتاً بمعدل 5 في المائة. واستطاع بلد واحد من بين عشرة بلدان نامية النمو بهذا المعدل لمدة ثلاثة عقود متتالية.
ومن وجهة نظر شارما، أخفق كثير من البلدان في الاستفادة من التعاون - الذي يحدث مرة كل جيل - بين الأموال السهلة والطلب الصيني المعزز. وفي الوقت الذي تتراجع فيه هذه العوامل، يغلب على ظنه أن أنماط النمو ستعيد فرض نفسها. بعبارة أخرى، ستستمر بعض الأسواق الناشئة في النمو بسرعة لكن معظمها لن يفعل. والبلدان غير المرتبطة بالطلب الصيني على السلع ستكون في وضع أفضل.
ويرجح كريستوفر وود، كبير الاستراتيجيين في شركة الوساطة CLSA، أن تشعر البلدان بالحيرة بسبب التدفقات الرأسمالية الخارجة إذا أنهى الاحتياطي الفيدرالي سياسة التسهيل الكمي ورفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل. لكنه يقول إن معظم الاقتصادات الآسيوية، بما فيها إندونيسيا، التي يبلغ دينها العام نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يجدر بها أن تكون قادرة على اجتياز هذا النوع من العاصفة.
ويقول إن الأمر الأكثر إثارة للقلق بكثير هو مسألة ما إذا كان بمقدور الصين المحافظة على مستويات معقولة من النمو في الوقت الذي تسعى فيه إلى فطم نفسها عن الاستثمار المدفوع بالائتمان. ويقول: "إذا حققت الصين إعادة التوازن المذكورة، فإن هذا مهم بالنسبة لي أكثر مليون مرة من جميع هذا العصاب الناتج عن الانسحاب التدريجي". ويخلُص وود إلى أن الاقتصادات الآسيوية قوية بما فيه الكفاية لتحَمُّل الرياح الاقتصادية المباشرة الآتية من واشنطن. ويقول إن الأحداث التي يمكن أن تتطور في بكين هي مسألة أخرى.