صفقات كرة القدم الضخمة تثير مخاوف من تراكم الديون

صفقات كرة القدم الضخمة تثير مخاوف من تراكم الديون

حتى بمقايس كرة القدم المبذرة، كثُرت في هذا الصيف صفقات انتقال اللاعبين المحمومة الضخمة على نحو يتحدى الواقع الاقتصادي والحس الفطري البسيط.
ومن المتوقع أن يحطم ريال مدريد الرقم القياسي العالمي لانتقال أحد اللاعبين، بشراء جاريت بيل من توتنهام هوتسبير مقابل 100 مليون يورو. وتنفق أندية الدوري الممتاز في بريطانيا مبالغ تتجاوز كثيراً الرقم القياسي البالغ 500 مليون جنيه إسترليني الذي سجلته عام 2008. ويتم شراء اللاعبين الآن ببساطة لمنعهم من الانضمام إلى الأندية المنافسة.
وكان مفترضاً أن تكون هذه المرحلة بداية عصر جديد من الضبط المالي والإداري في كرة القدم. فالمقصود من ضوابط مالية أدخلها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم Uefa وإدارة الدوري الممتاز في إنجلترا، تقليص الديون من خلال إكراه الأندية على الإنفاق ضمن قدراتها.
لكن أكثر جانب مثير للحيرة في هذه الفترة الملأى بانتقال اللاعبين هو نادي آرسنال، أكثر الأندية الأوروبية أماناً من الناحية المالية، الذي تعرض للسخرية علناً من مشجعيه بسبب إخفاقه في ''إنفاق بعض الأموال اللعينة'' - على حد تعبير اللافتات - في أول مباراة للنادي في ملعبه هذا الموسم.
وكان توتنهام، وهو من ألدَّ منافسي آرسنال في شمال لندن، نشطاً للغاية في سوق الانتقالات إلى درجة جعلت شكل الفريق مختلفاً كثيراً عما كان عليه في الموسم الماضي.
إن كرة القدم والحصافة زميلان غريبان. فالديون والإفلاس والتصفية يمكن أن تصيب الأندية، وقد أصابتها فعلاً، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة بشأن المستقبل المالي للعبة. والمسار الحصيف الذي يتبعه آرسنال يبدو جديراً بالاحترام، لكنه ممل بالنسبة للمشجعين الذين يريدون تحقيق انتصارات في الملعب وليس في قاعة مجلس الإدارة.
وكما قال دان جونسون، من المشاركين في الدوري الممتاز، أثناء دفاعه عن مبالغات الإنفاق في أندية الدوري: ''ما الهدف من نادي كرة القدم؟''.
وهذه الفلسفة لا تعطي إلا تفسيراً جزئياً للسبب الذي يجعل رئيس أحد الأندية مثل فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، يعتقد أن مبلغ 100 مليون يورو يمثل قيمة جيدة بالنسبة للاعب في الـ 24 من عمره مثل بيل، على الرغم من خبرته المحدودة نسبياً.
ووفقاً لبيدرو جارثيا، من جامعة كاتالونيا الدولية، العقد المذكور ينسجم مع أنموذج الأعمال الذي يتبعه بيريز في توسيع القيمة الإعلامية العالمية لنادي ريال مدريد. وأضاف: ''بطبيعة الحال توظيف الموهبة غير الملموسة من لاعبي كرة القدم تعد استثماراً خطراً''.
ووفقاً لحساباته، قيمة بيل لا تزيد على 60 مليون يورو. ''لكن هناك جوانب تعاضد مهمة من الربط بين العلامة التجارية لفرد معين بالعلامة التجارية لأشهر الأندية، وسيؤدي هذا عاجلاً أو آجلاً إلى عوائد اقتصادية''.
وعلى أي حال يستفيد ريال مدريد، مثل الأندية الكبيرة الأخرى، إلى أقصى حد ممكن من قدرة كرة القدم على اجتذاب إيرادات متزايدة من الجهات الراعية والتلفزيون والإذاعة. ذلك أن صفقات التلفزيون الجديدة، خصوصاً من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، تعمل على انتفاخ دخلها.
وفي الموسم الماضي اقتسمت أندية الدوري الممتاز الـ20 مبلغ 1.06 مليار جنيه من الدخل المتحصل من البث. وحصل النادي الفائز، مانشستر يونايتد، على 60.8 مليون جنيه. وهذا الموسم، خلال أول سنة من اتفاق لمدة ثلاث سنوات، تستطيع الأندية أن تتوقع اقتسام 1.60 مليار جنيه، وسيحصل الفائز بالبطولة على 100 مليون جنيه.
كل هذا يؤدي إلى أن يتخلى مالكو الأندية الأغنياء عن مسار الاعتدال الذي وعدوا بأن يتبعوه. مثلاً، الشيخ منصور بن زايد بن سلطان آل نهيان، وهو من العائلة الحاكمة في أبو ظبي، أنفق نحو 100 مليون جنيه، في حين أن الروسي رومان أبراموفيتش، مالك نادي تشيلسي، دفع 62 مليون جنيه.
كذلك تعمل الأموال الروسية والشرق أوسطية في الأندية الأخرى على إحداث حركة قوية في سوق شراء اللاعبين. ففي الوقت الحالي يبني ديميتري ريبولوفليف، وهو صاحب مناجم للبوتاس، فريقاً جديداً في موناكو، وقد أنفق هذا الصيف 130 مليون جنيه، ما أثار سخط المنافسين الفرنسيين الذين يعترضون على ميزة الإعفاء الضريبي التي يتمتع بها النادي. ومن بين هؤلاء المنافسين نادي باريس سان جيرمان، المملوك لمؤسسة ''قطر للاستثمارت الرياضية''، الذي أنفق مبلغاً يقل قليلاً عن 100 مليون جنيه.
ويعمل التعطش للصفقات على الدفع باتجاه نوع من السلوك الذكي الذي ينطوي على نوع من التحايل. من ذلك أن لاعب الوسط البرازيلي وليام بورجس دا سيلفا كان على وشك الانتقال من النادي الروسي، أنزي ماكاتشكالا، إلى توتنهام، بل إنه اجتاز الاختبارات الطبية للنادي. لكن يقال إن أبراموفيتش استخدم نفوذه لدى مالك أنزي، الملياردير الداغستاني المتكتم سليمان كريموف، لتأمين انتقال اللاعب إلى تشيلسي مقابل أكثر من 30 مليون جنيه.
وهذا النوع من السلوك نتيجة طبيعية لما يصفه جون سميث، الوكيل المتمرس في كرة القدم، بتعبير السيطرة على مقاليد كرة القدم بسبب ''قوة الإقناع لدى أصحاب المليارات''.
وقال: ''يدفع الأغنياء أموالاً طائلة للأشياء التي يريدونها. والأندية التي تمتلك المال ستدفع أموالاً طائلة من أجل أكبر اللاعبين''. ولا يختلف ميشيل بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، مع هذه الفكرة، لكنه يمقت كيف أن نظام انتقال لاعبي كرة القدم أصبح آلة لتوليد المال بالنسبة للآخرين. وقال يوم الجمعة الماضي: ''أعتقد أن انتقال اللاعبين هو نوع من السرقة. يعتبر اللاعب اليوم منتَجاً أكثر منه لاعب كرة قدم. هناك عدد كبير من الناس يسعون للحصول على عمولات''.

الأكثر قراءة