حياة الأعشى الصاخبة أوقعتني في مأزق
أوقع تاريخ الشاعر الأعشى وحياته الصاخبة القائمة على الترحال والأحداث المتعددة كاتب نص مسرحية الأعشى التي ستعرض في افتتاح فعاليات سوق عكاظ مطلع ذي القعدة المقبل لفترة من الزمن في هاجس ابتكار الحيل الدرامية.
وأوضح الدكتور سامي الجمعان كاتب المسرحية أنه تعرض لذلك بسبب حرصه على عدم الإخلال بالتاريخ، مبينا أنه من أهم العوامل التي ركز عليها في كتابة نص المسرحية مسقط رأس الشاعر في منفوحة التي تتوسط نجد والتي سيكون لها في المسرحية ربط وطني سيلاحظه المتابع، وأوضح أنه لم يتعاط مع هذه الأحداث بوصفها تاريخا، بل بمدى علاقتها بالإنسان العربي وحضارته، لتأخذ بعدا إسقاطيا قابلا للتحاور مع الحاضر.
وقال: "بعد أن قررت اللجنة العليا لسوق عكاظ في دورتها الحالية أن يكون الشاعر الأعشى هو شاعر هذا العام، حيث تدور من حوله الكثير من الفعاليات، تم تكليفي بكتابة العرض، وهي مسؤولية، على اعتبار أنها أحداث تاريخية ومعروفة لدى القاصي والداني، ما يضاعف من مسؤولية الكاتب وجهده المبذول، بيد أن تجاربي السابقة في كتابة النص التاريخي ومسرحته، أسهمت في مدى الخبرة اللازمة في التعاطي مع هذه الأعمال، فلي تجارب سابقة في مسرحية إسلام قبيلة عبد قيس وكتبتها في جزأين، وتجربة أخرى تتمثل في مسرحة مدينة الجرهاء التاريخية وغزو الإسكندر المقدوني لها".
وبين الجمعان أنه من الكتاب الذين يضعون خطة طريق لكتابة أي نص، وكانت خطته الأولى هي تلمس الأهداف الرئيسية التي يريدها القائمون على سوق عكاظ من تجسيدهم شخصية تاريخية أدبية كأعشى قيس، حتى يبني النص الدرامي الممسرح وفق تلك الأهداف.
#2#
وتابع: "بعدها انتقلت إلى مرحلة القراءة المستفيضة عن الشخصية المجسدة، واستغرق مني الأمر ما يزيد على الأسبوعين، وتلك المرحلة من أهم مراحل الكتابة للتاريخ، كونك تتعاطى مع وثائق وأحداث معلومة ومروية وثابتة، وإن اختلفت الروايات، ثم مرحلة وضع الخطة الدرامية لسير النص، وهي مرحلة تعتمد اعتمادا كليا على مدى وعيك بالكتابة الدرامية ومدى خبرتك فيها، وتتلخص الخطة الدرامية في وضع التحولات الدرامية التي يشكلها النص والمواقف التي سيتم التركيز على تجسيدها، وفي مسرحية الأعشى كنت بحاجة إلى اختيار مقاطع شعرية للشاعر تتلاءم مع الأحداث المجسدة، وعادة ما تكون أبرز الأحداث في حياة تلك الشخصية ثم مرحلة الكتابة، حيث انطلقت حسب الخطة مع إمكانية إجراء بعض التعديلات الطفيفة على مسار النص إذا تطلب الأمر ذلك، ثم مرحلة المراجعة الأولية للنص، وتلي ذلك عدة مراجعات وتصويبات وتغييرات".
وأشار الدكتور الجمعان إلى أنه ربط حياة الأعشى في نجد بالجانب الوطني، حيث إن هناك نقاط التقاء في الشخصيات التاريخية والأدبية المعروفة بالوطن، وأبرز النقاط التي تقدمها شخصية الأعشى هي ولادته وموته وترعرعه على أرض نجد وتحديدا منفوحة، أي في جزء من الجزيرة العربية، وهو عربي له رمزية عظيمة، فيما اتسم به العرب من فصاحة وبيان وشاعرية لا تجارى ولا تبارى، وأضاف: "كسعوديين نعتز ونفتخر بأن نكون على وطن يحمل تاريخ هذه المآثر العظيمة في الأدب والفصاحة واللغة، كما أننا ننظر إلى سوق عكاظ كدليل على ما يحمله وطننا من ثراء تاريخي عظيم، والأعشى واحد ممن تباروا بشعرهم في خيمة النابغة في عكاظ، وممن نسجوا إبداعا حق لنا أن نفاخر به ونعده واحدا من مآثر هذه السوق".
ولفت إلى أنه عندما ينوي الكاتب المسرحي تجسيد شخصية ما أو حدث تاريخي ما فثمة صعوبات ستقف في طريقه وهي صعوبات ليست باليسيرة أو العادية، وتابع: "يكفي من صعوبتها تعاملك مع حدث تاريخي موثق ومروي ومعروف، وإخلالك بهذه الوثائق أمر غير مقبول، وبالتالي يجدر بك الحرص والتثبت والموضوعية، ثم يقابلك معوق آخر هو الزمن المحدد للعرض الذي قد يدفع بالكاتب لإيجاد حلول درامية تختزل الزمن والأمكنة والأحداث أيضا".
وحول أبرز النقاط التي استوقفته في حياة الأعشى قال الجمعان: "الأعشى شاعر إشكالي في حياته، والشخصيات الإشكالية عادة ما تستفز الكاتب المسرحي أو السينمائي كونها تقدم له أحداثا متنوعة ومشوقة وقابلة للتجسيد والمسرحة، والأعشى بدءا من ضعف بصره حتى موته العجيب شاعر يستدعي الكتابة ويجذبك إليه، أما المواقف التي جذبتني وحركت هاجس الكتابة في قلمي فهي ترحاله بين الملوك وتكسبه بالشعر، ثم قوة شاعريته وقدرته على الإقناع في شتى المواقف والأغراض، أضف إلى ذلك صديقه مسحل والحالة الأسطورية التي ارتبطت به، وحياته الاجتماعية الخاصة القائمة على اللهو والبحث عن السعادة في كل بقاع الأرض، وتواجده في عكاظ وإنشاده الشعر ونيله الإعجاب والإشادة، ونصرته بشعره للمعوزين وقدرته على تغيير مجرى حياتهم من ضعف وخمول إلى قوة وعزة كحكايته مع المحلق وبناته الثماني، والحدث الأبرز هو نزوعه إلى الإسلام ورحلته إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- رغبة في الدخول في الدين العظيم والأحداث العجيبة التي انتهى إليها ثم موته في الصحراء بعد أن وقع من ظهر بعيره".
وأضاف: "تجربتي في الكتابة تعتمد على المسرحة التي لا تخلو من المتعة الدرامية، فأنا أميل إلى عرض الحدث التاريخي مكتنزا بعنصر التشويق، كوني أؤمن بأنا المسرح متعة قبل كل شيء، إلا أن هذه المتعة تبنى على أسس صارمة بالنسبة لي.
أيضا اعتنيت في تجربتي بالكتابة الواضحة البعيدة عن الإغراق في الرمز أو التغريب وهو منهج اتبعته في مسرحة التاريخ، فأنا ضد الغموض في مسرحة التاريخ بحجة ترميزه أو الإغراق في ترميزه، لذا فكتابتي تعتمد على نقل الحدث مع ميل إلى الحكاية وسردها، وإن أردت التغريب فلا أعبث بالحدث الأصل إلا في حدود معينة، ولكني أطرق هذا الباب عبر استثمار التقنيات الفنية الحديثة المصاحبة، وهو أمر أتركه للمخرج، فهذه لعبته ومساحة إبداعه، وباختصار شديد أسعى في مسرحية الأعشى لاستعراض أحداث حياته عبر الحكاية وتسلسلها مع ابتكار حيل درامية كتابية قادرة على منحنا ميزات مهمة كاختزال الأزمنة والأمكنة والمقولات".