مياه الصرف الصحي .. تهدد صحة الإنسان السعودي
التقرير المهم الذي نشرته صحيفة ''الاقتصادية'' في 17 آب (أغسطس) 2013، وجاء فيه أن وزارة الزراعة أصدرت تقريراً أوضحت فيه أنها ضبطت 136 مزرعة في مدينة واحدة من مدن المملكة، هي مدينة الطائف، تستخدم مياه الصرف الصحي على نطاق واسع وتروي حقول الخضراوات والفواكه من هذه المياه الآسنة والمحرمة محلياً ودولياً، وأشار التقرير إلى أن مساحة المزارع المخالفة التي يبلغ عددها 136 مزرعة تصل إلى خمسة ''دونم '' والدونم ألف متر مربع تقريباً، أي أن المساحة التي تروى بمياه الصرف الصحي ليست بسيطة، بل مساحة شاسعة تكفي لإلحاق الضرر بعدد كبير وغفير من المواطنين.
إن هذا التقرير الذي أَطْلقتُ عليه عبارة ''المهم'' يؤكد أن صحة الإنسان السعودي في خطر، وإذا كان عدد المزارع والبساتين التي تستخدم مياه الصرف الصحي في سقيا وري أراضيها قد بلغت رسمياً 136 مزرعة في مدينة واحدة، فماذا عن باقي المزارع والبساتين في جميع مدن المملكة الأخرى، ونخص بالذات الأراضي الزراعية في الأحساء والقصيم والمدينة المنورة وحقول جازان وعسير، وغير ذلك كثير من الأراضي السعودية الخضراء؟!
والمؤسف أن التقرير أوضح أنه لا يتوافر لدى الوزارة حالياً سوى شخص واحد يراقب المراعي والغابات في فرع محافظة الكامل ريثما يتسنى للوزارة التعاقد مع إحدى الشركات كي تقوم بعمليات المراقبة لمئات الكيلومترات.
الأخطر من ذلك أن هذه الإمكانات متواضعة جداً في العدد والعتاد، فإن وزارة الزراعة مسؤولة عن مكافحة مرض إنفلونزا الخنازير، ومرض حمى الضنك، وليس هذا فحسب فالوزارة بموظفها الواحد مسؤولة عن تطبيق قرار حظر استيراد الطيور من الخارج وتطبيق برنامج الأمن الوقائي بكل دقة على مشاريع الدواجن المرخص لها.
الأكثر من هذا أن تقرير وزارة الزراعة يوضح أن خلف الحقول الخضراء حشدا ضخما من القضايا والإشكالات التي ملأت المحاكم وأشغلت القضاء وبالذات ديوان المظالم، وأوضح التقرير أن مندوب وزارة الزراعة حضر 51 جلسة عقدت في ديوان المظالم، في قضايا رفعها المزارعون ضد القرارات الجزائية التي أصدرتها الوزارة.
بمعنى أن هؤلاء المزارعين الذين استخدموا هذه المياه الآسنة والمحرمة محلياً ودولياً لم يكتفوا باستخدام المحرمات، إنما بادروا برفع قضايا ظالمة يدافعون بها عن ظلمهم ومخالفاتهم!
غالب الظن أن استخدام مياه الصرف الصحي أصبح مشاعاً ومستباحاً في كثير من مدن المملكة، وعلى جهات الاختصاص والمراقبة متابعة ومراقبة الأراضي الزراعية في أراضي المملكة كلها من أقصاها إلى أقصاها.
إن أي إهمال في هذا الموضوع يعني أن معدلات إصابة السعوديين ــ في المستقبل لا سمح الله ــ بأمراض السرطان والفشل الكلوي والكبد الوبائي ستقفز إلى الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، والإحصاءات التي يتداولها الإعلام حالياً مخيفة!
حقيقة .. إن المواطن السعودي أصبح يعيش في بيئة ملأى بالأوبئة ، وإذا كانت وزارة الزراعة نشرت هذا التقرير فإن المطلوب من وزارة الشؤون البلدية ووزارة الصحة أن يشاركا في نشر تقارير رسمية دقيقة عن الأمراض الوبائية التي نتجت أو ستنتج عن استخدام مياه الصرف الصحي، بل عليهما التعاون مع وزارة الزراعة في نشر تقارير متواصلة توضح التوقعات التي تتوقعها من إصابة السعوديين بالأمراض الفتاكة نتيجة انتشار استخدام مياه الصرف الصحي في سقيا الأراضي الزراعية.
ولعل في نشر هذه التقارير ما يرفع من وتيرة المراقبة والمتابعة حتى نصل إلى حلول نظيفة نتمناها جميعاً.
واضح أن قضية استخدام مياه الصرف الصحي في ري وسقيا البساتين والمزارع ليست قضية بسيطة، بل هي من القضايا التي تهدد حياة الإنسان السعودي، لذلك فإن التصدي لها يجب أن يخرج عن دائرة الإدارة الفردية، بمعنى لا يستطيع فرد بعينه أن يراقب آلاف الأمتار وأن يراقب كماً هائلاً من الملوثات والأوبئة، بل على وزارة الزراعة أن تنشئ جهازاً مستقلاً يستخدم أحدث وسائل التقنية العصرية لمكافحة استخدام مياه الصرف الصحي في الري والسقيا.
وعلى ديوان المراقبة العامة أن يدخل طرفاً في قضية الرقابة على حقول الخضراوات وبساتين الفواكه، وعلى مجلس الشورى ــ من ناحيته ــ متابعة هذا الملف حتى يتم تصميم مراقبة شاملة وبكفاءة عالية.
ونكرر أن مفهوم الرقابة حالياً هي الرقابة الشاملة (قبل، وأثناء، وبعد)، بمعنى تبدأ الرقابة قبل أن يبدأ تنفيذ المشروع، ثم يستمر دور الرقابة أثناء تنفيذ المشروع، وبعد تنفيذ المشروع تستمر الرقابة في المتابعة والتحقيق، ولا توجد حدود تقف عندها الرقابة، فالرقابة عمل مستمر لا يتوقف من البداية حتى النهاية، بل حتى ما بعد النهاية.