تفكيك شفرة الهيكل الخلوي للعصر الرقمي
يقول إلكا بانانين إن هدفه هو أن يجعل نفسه ''أقل الرؤساء التنفيذيين نفوذاً''. مع ذلك فهو يدير شركة سريعة النمو تعتبر الضوء المشرق لمشهد التكنولوجيا المزدهرة في البلاد الاسكندنافية.
أنشئت شركة سوبرسِل في 2010 في هلسنكي لتكون شركة للألعاب مع التركيز على موقع فيسبوك. لكن بعد اللعبة الأولى المخيبة للآمال، راهن بانانين بالشركة على أجهزة الآي باد. وفي منتصف 2012 وضعت الشركة لعبتين على الأجهزة اللوحية، الأولى هي ''صراع القبائل''، وهي لعبة حول استراتيجية المعارك، و''يوم القش''، التي تدور حول الزراعة – وبحلول الربع الأول من هذا العام سجلت الشركة عوائد مقدارها 179 مليون دولار وأرباحاً تشغيلية مقدارها 106 ملايين دولار. وهناك نحو 10 ملايين شخص في الوقت الحاضر يلعبون اللعبتين يومياً.
صحيح أن الشركة نشرت لعبتين فقط وليس لديها إلا 100 موظف، لكن شركة سوبرسِل تجني أموالاً من ألعاب الجوال أكثر مما تجني شركة ''الفنون الإلكترونية''، التي لديها أكثر من 900 لعبة على الآي باد، بما في ذلك ألعاب قوية مثل مونوبولي وفيفا 13. فضلاً عن ذلك، تحتل اللعبتان المرتبة الأولى من حيث التطبيقات التي تحقق أكثر العوائد لكل من أجهزة الآي باد والآي فون في عدة بلدان من الصين واليابان إلى بريطانيا والولايات المتحدة.
من عدة جوانب، يسعى بانانين إلى خلق نوع جديد من الشركات، يكون مناسباً بصورة أفضل للعصر الرقمي من الشركة المختصة بمنصات ألعاب الفيديو.
العلامة الأولى، وإن كانت سطحية، على الفرق بين النوعين هو عند المدخل – لا بد لكل شخص أن يخلع حذاءه قبل الدخول إلى المكتب المفتوح والواسع في مبنى قديم لنوكيا، لكن التحول أعمق من ذلك، وشركة سوبرسِل تتسم بالوحشية في قتل الألعاب التي تخفق في الوفاء بمعاييرها العالية، وهذا هو السبب في أن لديها لعبتين فقط.
يتسم بانانين بميل إلى التخريب. وهو يعطي الانطباع بأنه يتم الاحتفاء بالإخفاق في الشركة نوعاً ما أكثر من فرحها بالنجاح. يتم تطوير الألعاب الجديدة من قبل فرق، أو خلايا – ومن هنا جاء اسم الشركة سوبرسِل (أي الخلية الفائقة)، والتي تعني كذلك عاصفة رعدية قوية – تتألف الواحدة منها من 5 إلى 10 عاملين، ويعملون جميعاً بصورة مستقلة. إذا انتهى أمرُ لعبة معينة وقُضي عليها، يتلقى كل عضو في الفريق زجاجة شمبانيا. وما مكافأة النجاح؟ ''البيرة''.
توجد على الجدار خريطة للعالم، وتظهر عليها الأماكن التي يوجد فيها جميع الناس الذين يلعبون اللعبتين. ويُعرض شريط مستمر يبين تعليقات اللاعبين.
لكن القرار حول مصير لعبة معينة ليس بيد بانانين، أو حتى لجنة مركزية، وإنما هناك فريقان فقط يتمتعان بهذه الصلاحية: الفريق الذي يطور اللعبة، واللاعبون (أو ''المستخدمون''، كما يسميهم). يتم اختبار الألعاب من قبل جميع الموظفين. وإذا حصلت اللعبة على الموافقة، يتم إطلاقها في فنلندا أو كندا – وهما من الأسواق الصغيرة لكنهما يتمتعان بالمعرفة التكنولوجية – في محاولة لتجريبها على الجمهور. إذا لم يشعر المستخدمون أو المطورون بالارتياح للعبة معينة – كما حدث مع لعبة اسمها ''شباب المعركة'' – تُلغى اللعبة وتُفتَح زجاجات الشمبانيا.
يقول بانانين، وهو يرتدي قميص تي شيرت يحمل شعار الشركة، وبنطلون كاوبوي وجوارب سوداء: ''أعتقد أننا نبني هذه الشركة فوق الدروس، التي جاءت إلينا من جميع هذه الألعاب الفاشلة التي مررنا بها، لكن لاحظ أننا كلما أسرعنا بالفشل ازدادت سرعة التعلم لدينا وأصبحنا أفضل من حيث تصميم هذه الألعاب''.
واضح كذلك أن تطوير منتجات جديدة – وهو شعار معظم الشركات – ليس على رأس أولوياته. الأمر المهم بالنسبة إليه هو أن يستمر اللاعبون الحاليون في الشعور بالرضا وأن يعودوا إلى اللعب يوماً بعد يوم.
#2#
تبنت شركة سوبرسِل الروح الجديدة للعصر المجاني في ألعاب الجوال. يلعب المستخدمون مجاناً، لكنهم يستطيعون أن يدفعوا المال للتقدم في اللعبة أو لتسريع الأحداث فيها. هذه الدفعات تحقق للشركة مليوني دولار يومياً. هناك عالم بيانات ضمن أعضاء الفريق لكل لعبة، يقوم بتحليل كيف يلعب الناس في الألعاب من أجل أن يقترح تغييرات من قبيل تحويل مهمة معنية لتصبح أسهل أو أصعب.
يقول بانانين: ''هدفنا هو خلق ألعاب للمرة الأولى لمنصة الجوال ليلعبها الناس ليس لأسابيع أو أشهر، وإنما لسنوات''.
من هو بانانين؟
بانانين صاحب مشاريع يبلغ من العمر 35 عاماً، وبدأ العمل في ألعاب الجوال، بعد تخرجه من الجامعة، بدأ شركة سوميا في 2000 لتطوير ألعاب في الهواتف الجوالة التي كانت في ذلك الحين مختلفة تماماً. لم تكن هناك محال للتطبيقات، وكانت جميع المبيعات تتم من خلال شركات الاتصالات. وباع شركة سوميا إلى شركة ديجيتال شوكوليت، وهي شركة لألعاب الجوال، في 2004 وظل فيها لمدة ست سنوات.
بحلول 2010 أراد بانانين أن يشق طريقه بصورة مستقلة مرة أخرى. أنشأ شركة سوبرسِل بهدف توظيف فريق كامل ''مثل كرة القدم في الدوري الممتاز'' من أجل تصميم أفضل الألعاب الممكنة. أُطلِقت لعبة ''جانشاين'' لتُلعب على فيسبوك، وكان أداؤها متواضعاً بعدد لاعبين في حدود 200 ألف، لكنها لم تكن من الألعاب القوية. بالتالي كشف بانانين عن نزعته الوحشية وغيَّر استراتيجية الشركة بكاملها للتركيز على أجهزة الآي باد.
ويقول: ''قتلنا لعبة جانشاين وقررنا، من الناحية الأساسية، المراهنة على منصة الأجهزة اللوحية''. وكان القرار غريباً تماماً لأن الشركة تلقت أول تمويل كبير لها قبل بضعة أشهر فقط حين استثمرت شركة أكسِل بارتنرز، وهي شركة في رأس المال المغامر، مبلغ 12 مليون دولار. يتحدث بانانين عن هذا وكأنه أصعب تحد واجهه، وترك عددا من موظفي الشركة.
لكنه تمسك بموقفه، ووصلت اللعبتان الكبيرتان. وفي شباط (فبراير) وصلت جولة أخرى من التمويل، وهو استثمار بقيمة 130 مليون دولار حين تم تقييم شركة سوبرسِل بأنها في حدود 800 مليون دولار.
يقلل بانانين من أهمية الضغط للعثور على لعبة ثالثة، لكنه لا يزال موجوداً، وهناك أمور ملحة أخرى كذلك. ويقر بأن جولة التمويل لم تكن ضرورية بالمعنى الفعلي، لكنها قللت الحاجة إلى اكتتاب عام أولي.
كما أنها سمحت للموظفين – الذين يمتلكون جميعاً الآن خيارات أسهم – ببيع أسهمهم بالأحكام نفسها التي تنطبق على المؤسسين الستة وعلى شركات رأس المال المغامر. يقول بانانين إن الشفافية والشعور بأن كل واحد في الشركة معرض للشيء نفسه مثل الآخرين، كانا في غاية الأهمية.
بالتالي إذا أراد بانانين أن يكون أقل الرؤساء التنفيذيين نفوذاً، فما دوره بالضبط؟ يقول إن معظم الأمر هو إبعاد الضغط عن موظفيه حتى يتمكنوا من العمل على ألعاب جديدة وتحسين الألعاب الموجودة. من المهم كذلك أن ضمان الهيكل الخلوي للشركة لا ينتهي عند كون الناس يعملون في صوامع.
هناك تحديات أخرى تلوح في الأفق. هناك نقاش حاد حول إطلاق لعبة على برنامج التشغيل أندرويد من جوجل، بهدف فتح الأسواق الآسيوية مثل الصين وكوريا الجنوبية. كذلك تشهد شركة سوبرسِل نمواً سريعاً، ولديها في الوقت الحاضر شواغر لعشرين وظيفة.
ومما يليق بشركة جديدة في صناعة جديدة أن بانانين يؤكد أنه لا يمتلك جميع الأجوبة – لكنه يجعل من الواضح أنه يود إبقاء خفة الحركة التي تتمتع بها الشركة الناشئة: ''لا نريد أن نكون شركة نوكيا. نريد أن يظل حجم الشركة صغيراً قدر الإمكان، وأعتقد أننا لا نزال نحاول التوصل إلى معنى ذلك. هل يعني مثلاً أننا نتألف من هذه الخلايا الصغيرة وأن عدد الخلايا التي يمكن إضافتها هو ''س''؟ لكني أعتقد أننا لم نصل بعد بأية صورة من الصور إلى الحدود النهائية''.