الأداة التي غيّرت البشرية
ما الذي يميزنا عن باقي المخلوقات على وجه الأرض؟ ما الشيء الذي جعلنا قادرين على تغيير ملامح هذا الكوكب وتطويعه لخدمتنا، فمن صحاري قاحلة وكهوف إلى ناطحات سحاب ووسائل نقل واتصال لم تكن تخطر على بال؟!
ما الذي جعلنا أسياد الكرة الأرضية بلا منازع؟ هل هو العقل فقط أم هناك ميزة أخرى؟ فكل الكائنات لديها عقل غير متطور بمقدار ما تسير به حياتها فقط، أما نحن فنملك عقلا متطورا أسهمت اللغة في تطوره وتميزنا!
تخيل أننا نعيش في هذا الكون بلا لغة بلا كلمات في صمت مطبق، ونتواصل بالإشارة أو بلغة محدودة كما كان يحصل قبل آلاف السنين، ما أنتج بشرا محدودي المعرفة مقلدين لبعضهم لا مبتكرين، وهم بذلك يشبهون باقي المخلوقات، لكن مع تطوير الإنسان هذه المنحة الإنسانية تحول من مجرد مقلد يسرق الصورة ويعيش في مجموعات صغيرة إلى مبتكر يتناقل المعرفة مع من حوله من البشر بفضل لغته.
يقول عالم الأحياء مارك بيقل: اللغة صفة خطيرة ومدمرة وجزء من تقنية سمعية وعصبية لإعادة تشكيل البشر.
أصحاب اللغة الواحدة تجدهم يملكون الفكر والثقافة والموروث نفسها ويحملون الجينات نفسها ولهم صفات عامة متشابهة، لذا سماها العالم مارك "صوت الجينات"، ومع انتشار البشر في أرجاء الأرض طوروا آلاف اللغات واللهجات وصل عددها إلى ما يقارب ثمانية آلاف لغة منطوقة، والمذهل أنك قد تجد مجموعة من البشر في بقعة محدودة من الأرض يتكلمون مئات اللغات، كما يحدث في جزيرة غينيا الجديدة حيث يتكلم أهلها ألف لغة منطوقة مختلفة تماما، فكلما مشيت ثلاثة كيلو مترات تجد لغة مختلفة. قد لا يفصلك عن جارك سوى كيلو متر واحد ومع ذلك ليس هناك لغة مشتركة بينكما!
لقد رسم هذا التنوع اللغوي حدودا وبنى حواجز معرفية للحد من التعاون بين المجموعات ليحافظ كل منهم على هويته ومعارفه ومهاراته ويحميها من الاقتباس بعد أن كانت اللغة أداة معرفة وتواصل.
انظر كم استغرق نقل المعرفة من اللغة العربية إلى الإنجليزية والعكس، ما جعل هناك تفاوتا في تطور الشعوب، ينفق الآن الاتحاد الأوروبي ما يفوق المليار يورو على الترجمة بين لغات أعضاء الاتحاد المكون من 27 دولة يتحدثون 23 لغة مختلفة، حتى في السعودية لدينا لغات مختلفة منها "المهرية" التي يتكلم بها 20 ألف سعودي! أغلبيتهم في محافظتي شرورة والخرخير.
أما أكثر اللغات استخداما حسب آخر الإحصائيات فهي الصينية ثم الإنجليزية وتأتي العربية في المركز الخامس بعد الأوردية! كما أن هناك أكثر من 46 لغة لا يتحدث بها إلا شخص واحد، إذ تعتبر لغات منقرضة.
أما أغرب لغة موجودة الآن فهي لغة شعب الأمازون في البرازيل، إذ يصعب فهمها أو استخدامها، فهي لغة بلا أرقام ولا صيغة ماضي وليس فيها مفردات للدلالة على الألوان، وممكن الحديث بها أو تصفيرها، فهي لغة بمفهوم آخر! ما جعلهم بمعزل عما يدور في العالم.