رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


أعمانا التبرير

نحن قوم تبريريون من الطراز الأول.
يتداول بعض الناس طرفة عن أداء العمل بين ياباني وشرق أوسطي. طلب من ياباني ومن شرق أوسطي أداء عمل، فكان جواب الأول ولم لا أؤديه وغيري يمكن أن يؤديه. أما جواب الشرق أوسطي فكان لم أؤديه وغيري يمكن أن يؤديه.
ألّف غربي، استعانت به شركات النفط للتعرف على المجتمع السعودي وثقافته، عند قدومها إلى المملكة في عهد الملك عبد العزيز قبل نحو 60 عاما، ألف كتابا عن التاريخ الاقتصادي للمملكة - وأعتذر أنه لا يحضرني اسم الكتاب أو المؤلف الآن. من أكثر الأمور التي لفتت انتباه المؤلف أن الفرد لا يؤدي عمله إلا تحت إشراف ورقابة. أي أن الرقابة الذاتية في ثقافتنا في حكم المفقودة. طبعا هذا سلوك نراه بأم أعيننا، وفي مختلف أوطاننا العربية. نراه رغم كوننا ندين بالإسلام، ونؤمن إيمانا جازما باليوم الآخر والحساب الأخروي. ونحن نرى أن الخوف من الآخرة مفقود عند أصحاب الديانات الأخرى. بل كتب الفقه تشترط في الشاهد أن يكون مسلما، لأن الكافر (كما جاء في كتب فقه) لا دافع إيماني عنده لأن يشهد بالحق. ولكن هذا الظن لا يؤيده الواقع عبر القرون.
عندما يصبح هذا الشعور بالمسؤولية الصفة الغالبة على الشعب فإن هذا الشعب تتاح له الفرصة أن يستفيد من المدنية ويطور نفسه. ومع الشعور بالمسؤولية، تتوارى النزعة إلى لوم الآخرين عما نواجهه من إخفاقات أو مآس. على سبيل المثال، تقل نزعة الطالب الياباني (ومثله الصيني) في لوم الآخرين على إخفاقاته في الدراسة. بالمقابل، الفرد العربي لديه نزعة شديدة إلى التبرير، عند الإخفاق في أي شيء، سواء كان دراسة أو عملا أو غيرها. وترى النزعة الشديدة في تحميل الآخرين مسؤولية ما ينشأ من إخفاق. لهذا ليس من العجب أن نرى أن المستبد يبرر استبداده، وأن المخطئ يبرر خطأه. وليس من العجب أن نرى التحليل الاقتصادي الموضوعي لا يعجب أكثرية الناس لدينا.
لا شك في وجود مساحة من التبرير. ولكن الإشكال أننا نتوسع في هذه المساحة، إلى حد تنزيه النفس تقريبا.
التبرير والإهمال وضعف الإتقان إخوة. صاحب التبرير يجنح عادة إلى الكسل في أداء ما عليه من واجب. والكسل قرين لإهمال الجودة. وكلها سمات تخلف حضاري واقتصادي.
وتبعا لثقافة أو عقلية التبرير، نجد سمات أخرى تابعة أو متزامنة. المبرر لا يرى القصور في عمله. وضعف هذه الرؤية يدفعه إلى البحث عن عامل خارجي لما يراه من قصور. ويمتد هذا البحث إذا تناول النقاش قضايا عامة.
ماذا يعني ذلك في قضايانا العامة؟ لدينا ولع باتهام الآخرين، وفي تفسير كل شيء تقريبا بأنه نتيجة مؤامرة. أما أنه تقصير منا فهذا نراه أقل أهمية من مؤامرات الغير.
نجد قراءة حافلة بالقراءات النمطية والأفكار المتوارثة لا تخضع للتمحيص والبحث الكافي ولا للنقد الموضوعي، من خلال بناء نماذج على مقولات بنيت على أهواء أكثر من بنائها على تفسير عقلاني كاف، أو أنها تتعارض بين تفسيرات متعارضة. ولا تخلو هذه التفسيرات من دوافع الهوى والعواطف الغلابة، أو تبسيط مخل للأحداث.
خذ مثلا نظرة الكثيرين لوجهة وسياسة الغرب فيما جرى ويجري حولنا من أحداث. ترى كثيرين يتبنون آراء تكاد تحصر سياسة الغربيين لتحقيق مصالحهم على رؤية المؤامرة، بناء على سماع كلام مختار مما قاله سياسيون غربيون، أو بناء على قياس على حدث آخر. لو سألتهم: هل قرأتم كثيرا عما قاله سياسيون غربيون آخرون ذوو مشارب مختلفة في فهم الأحداث؟ هل اطلعتم على ما كتبته أعداد كبيرة من الصحف الغربية في تفسير ما يحدث؟ وهل تكوّن لديكم تصور عن جزء كبير مما صدر عن مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية في الغرب في تفسير ما يحدث والتوصيات بشأنها؟ هل وضعتم هذه الكتابات ضمن قالب لفهم آراء السياسيين الغربيين؟ الجواب عادة لا. إسناد الأحداث إلى مؤامرة أسهل.
لا أنكر وجود مؤامرات، ولا وجود مصالح متعارضة بين الدول، ولا أن الدول (وعلى رأسها الغربية) لا تبحث عن مصالحها. ولكن كل هذا لا يعني تنزيه النفس، ولا يعني أننا لسنا المسؤولين أولا عما يصيبنا. وفي ديننا ما يؤيد ما أقوله. فيوم القيامة، يتحاجون - أعني الضعفاء والمستكبرين. ويجنح الضعفاء إلى رمي مسؤولية ما أصابهم على الشيطان وعلى المستكبرين، بما يشبه نظرية المؤامرة في لغة السياسة الآن. ولكن الله - سبحانه - لا يقبل منطق الضعفاء. والله المستعان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي