رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


العسكر والحرامية في الثقافة العربية

تختلف المجتمعات في مستوى تحضرها اعتمادا على نظرتها للسلطة! عندما تكون السلطة للتنمية والتطوير والتغيير للأفضل تكون الحضارة في أعلى مستوياتها وعندما تكون للإجبار والإكراه والتخويف تأخذ المجتمع إلى أدنى مستويات التحضر. ذلك أن السلطة في الحالة الأولى تعتمد على مقدار قبولها، وبالتالي تكون تصرفات الأفراد مبنية على الرقابة الذاتية ونابعة من قناعتهم الشخصية وهو ما يقود إلى الإبداع والابتكار والإنتاجية والتطوير. أما في حالة السلطة المفروضة بالإكراه فتكون غريبة عن الذات تحترم بوجود الرقيب وتتعطل عندما يغيب، لذا يكون أداء الأفراد شكليا يفتقد الدافعية والحماس. الغريب أنه كلما زادت الرقابة الخارجية زادت مخالفتها، وهذا ملاحظ في المجتمعات النامية خاصة تلك التي تخضع للحكم العسكري. لأن الحكم العسكري مبني على التنظيم البيروقراطي المغلق ويعتمد في صناعة القرار على هرمية السلطة بتسلسل الأوامر من أعلى إلى أسفل دون منح الأفراد فرصة المشاركة ليكونوا بعد ذلك سلبيين متقاعسين لا يستطيعون الربط بين الأداء والنتيجة فيتفانون في تطبيق الإجراءات دون النظر للنتائج والتأثير النهائي، ما يجعلهم أكثر غلظة وجفاء في تعاملهم مع من يفترض أن يخدموهم.
هذه النظرة التطرفية للسلطة تجعل المناخ العام مبنيا على عدم الثقة والشك والريبة فتنشأ طبقة النخبة العسكرية يتلبسها شعور بالزهو والمثالية والكمال بما تملكه من سلطة مطلقة تدفع نحو رؤية فرعونية ترفع شعار ''ما أريكم إلا ما أرى''! وهكذا يمارس العسكر الضغط على بقية المجتمع بأسلوب متعجرف ونظرة دونية في ظل غياب رقابة مجتمعية ومجالس نيابية فاعلة تراقب وتحاسب المؤسسة العسكرية. والتسلط العسكري مبني على قاعدة أن العسكر فوق القانون، وأنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم. هذه التصرفات العنترية الخارجة عن إطار القانون تأتي بحجة الحفاظ على الأمن وحماية الصالح العام والدفاع عن الوطن ومكتسباته، وهي بلا شك عناوين كبيرة مطاطة يمكن تفسيرها واستخدامها لتحقيق مآرب شخصية ومصالح فردية. هذا الاستخدام السيئ للسلطة العامة يعرقل عملية صنع القرار العام ويجعلها أقل كفاءة وأقل استجابة لمتطلبات المواطنين. والنتيجة تباطؤ عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثَمّ مزيد من التسلط لإرغام الناس على قبول الأوضاع غير الشرعية والقانونية بالقوة ليعاني الناس ضيقَ العيش وكبت الحريات. ولذا كان الاستقرار والأمن في النظم العسكرية قسريا يحد من حركة الناس ويقلل تفاعلهم. وتبعا تنشأ في تلك المجتمعات المغلوبة على أمرها المحكومة عسكريا الطبقية وثقافة التسلط في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمحسوبية السياسية داخل المؤسسات الرسمية.
ولذا نجد أن المناصب المدنية كالوزراء والمحافظين وغيرها تكون في معظمها حكرا على منسوبي المؤسسة العسكرية. والعيب في ذلك أن التدريب العسكري يرتكز على التسلسل السلطوي البيروقراطي والاتصال باتجاه واحد، وليس على التفاعل مع البيئة الخارجية واستشفاف المستقبل وطرح مبادرات إبداعية. وهذا يفسر انحسار التنمية في الدول النامية في الدول العسكرية. وقد تكون الحالة المصرية والعراقية والليبية خير مثال حينما تتم مقارنة التنمية الاقتصادية والتحضر الاجتماعي والحرية السياسية في عهدها الملكي وتدني مستواها بعد تلك الثورات. فقد حولوا الناس إلى ''هتيفة'' وأخرجوهم من أعمالهم في المصانع والمزارع ليكونوا أعضاء في نقابات عمالية تتعالى فيها الأصوات والنقاشات دون إنتاجية، وقضوا على آلية السوق وباعث الربح اللذين هما روح الإنتاج في أي اقتصاد.
هذا الفكر التسلطي أصبح جزءا من ثقافة المجتمع، وتلبّس الأفراد اعتقادٌ مفاده ''إما أن تُسيطر أو يُسيطَر عليك'' وتلاشت الندية والعمل الجماعي التكاملي بروح الفريق وفي إطار مهني أخلاقي تتلاقح فيه الأفكار وتكوين رؤية مشتركة يسعى الجميع - كل من موقعه - في تحقيقها. القوة بمفهومها العسكري التسلطي جعلت تلك المجتمعات تعيش حد الكفاف ليكون العدل بالظلم! ولتحتكر النخب العسكرية السلطة والمنافع الاقتصادية. وهكذا تتسابق الأسر في تلك المجتمعات إلى دفع أبنائها للانخراط في العسكرية لما تمثله الرتبة العسكرية من مكانة اجتماعية وتأثير قوي وتجلب مكاسب خارج دائرة الرسمية، مقارنة بالوظائف الأخرى التي هي في حقيقتها أكثر إنتاجية وتضيف قيمة أكبر للاقتصاد الوطني. وبذلك تكون تلك المجتمعات بوليسية تنشغل في إكراه الناس على قبول القرارات وتوزيع الاتهامات وتجريمهم في كثير من الأحيان بغير حق. هذا الوضع التسلطي يخلق مناخا استثماريا اقتصاديا نخبويا، وسوء توزيع للثروة، ما ينتج عنه اختلال اجتماعي اقتصادي يتطلب مزيدا من القوة والإجبار، وهكذا يدخل المجتمع دوامة من العنف وتشتيت الجهود والعجز عن تحقيق ما ينفع المجتمع ويرتقي فيه سلم التنمية. ولذا ليس بمستغرب أن تكون اللعبة المفضلة للأطفال في المجتمعات العربية ''العسكر والحرامية'' وكأن لسان الحال إذا لم تكن عسكريا فأنت حرامي أو على الأقل متهم! هذه النظم العسكرية الثورية لم تكتفِ بتدمير مجتمعاتها، ولكن ذهبت تبشر بثورتها وادّعوا أنهم تنويريون، واتّهموا من يخالفهم الرأي بأنهم رجعيون بتهمة أنهم يتمسكون بدينهم وتقاليدهم. وحتى في ظل تخفيف قبضة العسكر وانحسار تأثيرهم نوعا ما في تلك الدول إلا أنهم ما زالوا يرون أنهم الأحق والأفضل والأقدر على إدارة مجتمعاتهم. ولضمان الاستمرار في السلطة كان لا بد لهم من خلق حرامية يلقون القبض عليهم، حتى ولو باصطناع تهم مزيفة. فهذه أصول لعبة العسكر والحرامية، فلا عسكر دون حرامية. وتستمر المطاردة إلى ما شاء الله، لأنها لعبة أريد لها أن تكون دون نهاية حتى يتوقف العسكر في التدخل في الحياة المدنية والعملية السياسية! وهذا قد يطول!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي