رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


نعيب زماننا والعيب فينا

أحوال العرب وأحوال المسلمين لا تسر صديقاً، ولا تحزن عدواً.
من المسؤول؟
أكثريتنا تجنح إلى التطرف، وتجنح إلى سوء الظن في تفسير الأحداث. كل فريق من فرق النزاع يقول عن نفسه: معنا الحق بدون أدنى شك. نوايانا طيبة ولا نسعى إلا إلى الخير، ولسنا مطية ولا تخفى علينا ألاعيب الآخرين. ويقول عن الفريق (أو الفرق الأخرى): إنه مذنب بدون أدنى شك. هو صاحب نوايا خبيثة، ولا تهمه إلا مصلحته، وتستخدمه جهات خارجية للوصول إلى أهدافها.
نسمع هذا الكلام بصورة أو أخرى من كل فريق من الفرق المتنازعة، ليس في عصرنا هذا فحسب، بل هذا مرض نعاني منه منذ العصر الجاهلي.
لو كانت الأطراف أكثر عقلاً، لكانت أكثر تفهماً لطبيعة السلوك البشري من حيث هو. وتبعاً لذلك، لكانت أكثر تفهماً لوجهة الأطراف الأخرى. لرأى كل فريق أن ما يعيبه على الآخر موجود فيه. إذا كان يرى أن الطرف الآخر لا تهمه إلا مصلحته، فهو مثله لا تهمه إلا مصلحته أيضاً. إذا كان يرى تعارضاً بين المبادئ والمصالح في تصرفات الطرف الآخر، فعليه أن يرى هذا التعارض في تصرفاته هو أيضاً. هذه من المبادئ التي تقوم عليها العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد.
أدعي أن هذه العقلية منعتنا من فهم وتفسير الأحداث تفسيراً موضوعياً. منعتنا، وعبر قرون، من فهم والمساهمة في تطوير مبادئ العلوم الاجتماعية. طور أجدادنا، وإن كان بصورة نسبية، مبادئ علوم غير اجتماعية من قبيل الطب والفلك والرياضيات، أما علوم من قبيل الاقتصاد فلا. لأن ذلك يتطلب عقلية موضوعية حيادية لفهم السلوك البشري. هذه العقلية مخالفة للعقلية السائدة.
أدعي أن هذه العقلية السائدة من أسباب صعوبة قبول جمهور الناس في مجتمعاتنا للتفسير الاقتصادي المهني (كما يدرس في الجامعات) لأحداث اقتصادية مثل التضخم والنمو الاقتصادي. التفسير الاقتصادي العلمي أو المهني يستند إلى مبادئ منها أنانية الجميع وحب الجميع للمال. يستوي في هذا الحب طبقات وأفراد المجتمع كافة.
أما أكثريتنا فتتلهف إلى تنزيه النفس والتفسير التبريري وإبعاد التهمة والمسؤولية عن النفس، ورميها على الآخر. البحث عن شماعة في التفسير، اتهام الآخرين في نياتهم مقابل تنزيه نوايا النفس، البحث عن طرف خارجي لاتهامه، وهكذا.
منذ ظهور ما يسمى بالثوار في عهد ثالث الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ونحن (أعني مجتمعاتنا العربية التي يدين غالبيتها بالإسلام) لا نحسن التعامل فيما بيننا لحل الخلافات.
طوال 14 قرناً، تحل الخلافات عادة بالقوة، لا بالتفاهم.
هذه المشكلة تعكس طبيعة ثقافة وعقلية. ونراها في أحداث هذه الأيام.
مع وصول التجربة المصرية إلى ما وصلت إليه، يبدو أنه تبدد الوهم في أن يشهد العالم العربي مرحلة من الحد الأدنى من التفهم لبعض، والتعايش السلمي في إطار الخلافات.
المسؤولية عن الفشل مسؤولية مشتركة بين الأطراف كافة.
تعاني مجتمعاتنا نخباً وغير نخب من إشكالية الاستقطاب الحاد بين أطراف النزاع. نحن سريعو التأثر بلحن القول. هل ننسى ما يفعله الشعر بأكثريتنا؟! هذا يفضي إلى سرعة تصديق ما ينبغي التثبت منه أولاً، يفضي إلى التسليم بما لا ينبغي التسليم به. ينظر أكثريتنا إلى الأمور على أنها إما أبيض أو أسود، إما أنها طاهرة أو نجسة، ولا احتمال لوضع ثالث. أكثريتنا لا ترى أن المصيب في أمر قد يخطئ في غيره..
بتعبير آخر. نحن قوم تغلب علينا العاطفة، والإنسان العاطفي مستعد للتخلي عن ميزانه العقلي بسرعة، من السهل تأليب العاطفيين، من السهل بذر الخلاف بينهم، على أساس سوء الظن، ويتبع ذلك سرعة تخوين كل طرف الطرف الآخر بدون تثبت، أي على معلومات غير مؤكدة.
ما تفسير ذلك فينا؟ ربما لأن تاريخنا الضارب في البداوة يدفعنا إلى سياسة القوة، لا على قوة السياسة.
تأملت القتال بين المسلمين، مسلمون يقتلون مسلمين. علام؟ كل طرف يحتج بنصوص من الكتاب و/أو السنة (بمعناها الأعم أي الحديث بحسب قناعات الفرقة من الأمة). ولكن النصوص (إلا ما قل) حمالة أوجه، والوحي قد انقطع، ومن ثم فذكر النص وفهمه مجرداً قد لا يفيد، بل قد يضر.
طريقة الاستنباط هذه أهدرت فيها دماء ملايين المسلمين عبر تاريخنا الإسلامي.
بدلاً من إفناء جهود وأوقات طويلة من الجدل بغرض التعرف على المصيب والمخطئ والحكم على الفرق المتحاربة من بني جلدتنا، أرى أنه كان الأولى بنا أن نبحث في كيفية صناعة ثقافة مجتمعية (بمعناها الواسع الذي يشمل البناء القانوني والتعليم ...إلخ) تعمل على أن يسود التفاهم والأمن والسلام أفراد وفئات المجتمع مع وجود الخلافات وتباين المصالح. هذا ما ركزت عليه شعوب كثيرة. كيف نصل إلى هذا الهدف؟ هذا هو التحدي، وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي