الوزير حين يبدع

الإبداع والابتكار في العمل الإدارى بات هدفاً من أهم أهداف الإدارة الحديثة، وهناك أناس في عالم الإدارة اختصهم الله ــ سبحانه وتعالى ــ بمواهب الإنجاز والتنفيذ.
ولذلك يقول العلماء: الإدارة مهنة يمنحها الله ــ سبحانه وتعالى ــ للإنسان من أجل بناء الأرض وعمار الحياة وتحقيق التقدم.
وفي حياتنا الإدارية كثير من الوزراء يحملون الحقائب ويخرجون بدون حقائب، أي بدون إنجازات، وهؤلاء يغضبون إذا تابعهم الإعلام وكشف عن حقائق التقصير، ونسوا أن وظيفة الإعلام أن يراقب ويتابع ويرصد كل أشكال وألوان التقصير، ثم يقدم إلى الرأي العام كشف الحساب عن كل الموظفين القياديين، وبالذات البيروقراطيين في الوظائف العليا بدءاً من الوزير وحتى الخفير.
ولكن يسود في السوق السعودي ــ مع الأسف الشديد ــ أن الدولة مسؤولة عن فتح الوظائف أمام المواطنين، ولكن ليست مسؤولة عن الفاعلية والمساءلة والكفاءة، بل ينتشر بين ظهرانينا أن العمل الحكومي مجموعة من الوظائف التي تتبرع بها الحكومة لمواطنيها بهدف القضاء على البطالة فقط، ولا يلزم أن يبدع الموظف في وظيفته. أكثر من هذا فإن الشائع ين الناس أن الموظف الحكومي هو الموظف البليد المتقاعس الفاسد الخامل، وأن الوظيفة الميري هي وظيفة تشريف وليست تكليفا، وأن الدولة تحمي موظفيها من الفصل والمحاسبة والشفافية.
ولكن مع هذا نستطيع القول إن هناك وزراء شرفوا وظائفهم، ووزراء لم يوفقوا، فهؤلاء هم من دخلوا الوزارة وسلموها كما تسلموها بيضاء لا تسر الناظرين!
إن علوم الإدارة الحديثة تطرح في هذه الأيام علما جديدا اسمه ''إعادة اختراع الحكومة'' Reinventing Government، وينطلق مفهوم إعادة اختراع الحكومة من الفكرة القائلة إنه بالإمكان تحويل الجهاز الحكومي من جهاز إنفاق إلى جهاز إيراد، ومن جهاز تكلفة إلى جهاز يحقق الأرباح، كما ينطلق مفهوم إعادة اختراع الحكومة من المقولة التي تقول: إن الإدارة الحكومية ــ مثل القطاع الخاص ــ قادرة على التكيف مع روح العصر وإعادة اختراع نفسها من حين إلى آخر، وإن العاملين في الحكومة ليسوا هم أساس المشكلة المتمثلة في تراجع الإنجاز، ولكن الإدارة هي السبب الرئيس في التراجع والتقصير، كما أن المشكلات التي تواجهها الإدارة في العصر الحديث ليست بسبب الإدارة الليبرالية أو الإدارة المحافظة، وإنما بسبب افتقاد تلك الإدارة الفاعلية والكفاءة.
ويؤكد أصحاب هذه النظرية أن الإدارة الحكومية ــ مثل إدارة القطاع الخاص ــ لا بد أن تكون قادرة على التكيف مع روح العصر، وأن تكون أكثر انفتاحاً وكفاءة، وأن تتصف بالقدرة على النمو والتغير والتطور والإنتاج والمنافسة العالمية وإعادة تجديد نفسها من وقت إلى آخر.
وتأسيساً على ذلك، طالب بعض علماء الإدارة بأن يتحول علم الإدارة العامة إلى علم إدارة الأعمال العامة، حتى يعبر هذا العلم عن أهمية الفاعلية الإدارية والكفاءة في الوظائف الحكومية، شأنها في ذلك شأن شركات الأعمال.
إن الحديث عن إعادة الاختراع لم يقتصر على الدول التي تمر بمرحلة التحولات ''الدول الناشئة''، أو الدول النامية التي تعاني تدهور الناتج المحلي الإجمالي، ولكن باتت مناقشة هذا المدخل بمثابة لغة عالمية تنتشر في أوروبا وأمريكا واليابان، وغيرها من الدول المتقدمة.
إن العالم ينظر إلى المستقبل من خلال مفاهيم إدارية واقتصادية جديدة تستدعي الوعي بمخاطر عدم تنفيذ الإصلاح الإداري، إذ إنه من المتوقع أن تتزايد معدلات البطالة، وتقل فرص العمل، وتتهاوى الأسواق العالمية، وإن الاقتصادات الوطنية ستكون عرضة للتصدع والانفلات.
وإذا جاز لنا أن نتحدث عن وزرائنا المبدعين الذين يعيدون اختراع وزاراتهم، فإننى أضع الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة وزير التجارة والصناعة في مقدمة الذين أبدعوا وأنجزوا، وأذكر ــ على سبيل المثال ــ إن قضية حماية المستهلك من القضايا المطروحة بقوة في السوق السعودي وعانى منها كثيرون، هذه القضية كانت وما زالت تمس شرائح كبيرة من المجتمع السعودي، ولكن هذه الشرائح الغفيرة كانت ضحية الخلاف بين الوزير الأسبق والهيئة، وكان عذر الوزارة آنذاك أن حماية المستهلك ليست اختصاصا أصيلاً في الوزارة، وأن لها هيئة تنام في حجرها كل قضايا الملتاعين بحمى التنصل والفساد، وكان الذي يدفع ثمن هذه الخلافات هو المستهلك الذي عاش بلا حماية لفترة طويلة من الزمن، ناهيك عن أزمات الأسمنت والحديد والأسعار التي نهض الوزير توفيق الربيعة لحلها في وقت معياري.
لقد درج كثير من ضعاف النفوس إلى التعاقد على بعض الأعمال، ولكنهم في الحقيقة يقبضون الدفعات الأولى ثم يتنصلون ويراوغون ولا ينفذون ما التزموا به في العقود التي هي شريعة المتعاقدين.
ولقد وقفت أخيرا على أكثر من قضية انتهت بنهج جديد اسمه الزيارة الفورية والحسم الفوري، وقال موظف وزارة التجارة والصناعة في جدة الأخ ماهر مغربي، إن الوزير الدكتور توفيق الربيعة يتابع بنفسه كل صغيرة وكبيرة في ملف حماية المستهلك وفي كل أعمال وزارته، ويحض على ضرورة إحقاق الحقوق المستحقة، وإن الوزارة باتت تبيض وجه قاصديها، وإن معدلات النجاح مذهلة. حقاً إن معدلات النجاح مذهلة، وعلى هذا النهج فليعمل العاملون!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي