رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


خفض التضخم .. من أجل «الراتب يكفي»

النقاش الدائر والمستفيض في الفضاء الإلكتروني حول موضوع ''الراتب لا يكفي'' وتفاعل شريحة كبيرة من الناس بمفاهيم مختلفة ونظرات متعددة وبأسلوب عاطفي حماسي يخالطه إحساس بالظلم ورغبة بالنقد اللاذع والدفع نحو حلول سريعة تتفق جميعها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى المطالبة برفع الرواتب كعلاج للمشكلة. ولكن رفع الرواتب سيؤدي إلى زيادة معدل التضخم الذي سينهش الزيادة في الراتب وأكثر فينخفض دخل الأفراد الحقيقي إلى أقل مما كان عليه قبل الزيادة! وهذا مكمن المعضلة. ولذا يعتبر المتخصصون في المالية العامة التضخم نوعا من أنواع الضريبة، إذا إنه يقوم بما تقوم به الضريبة من الحسم من الدخل (خفضه)، وهذا مشاهد وأكثر وضوحا في الاقتصاديات الضعيفة حين تلجأ الجهات الرسمية في تلك الدول اعتمادا على سلطتها وما تملكه من صلاحيات إلى طباعة أوراق نقدية لزيادة الإنفاق الحكومي بما في ذلك زيادة الأجور لكن دون مقابل إنتاجي! ما يؤدي في نهاية المطاف إلى التضخم. والتضخم هو ارتفاع عام للأسعار وسببه سلع قليلة تطاردها نقود كثيرة، وهذا يعني ضعف الإنتاجية مقارنة بمستوى الدخل! ولذا كانت المهمة الرئيسة للقائمين على أمر الاقتصاد الوطني (أو هكذا يفترض) وقف هذه المطاردة وخلق نوع من التوازن بين مستوى الأجور والأسعار. ويسيطر على العموم اعتقاد أن الحل السريع لمشكلاتهم الاقتصادية وضعف دخولهم هو في زيادة الأجور ولكن زيادة الأجور تؤدي إلى زيادة الطلب العام ومن ثم زيادة الأسعار في المدى القصير. وربما كان معدل ارتفاع الأسعار أعلى من معدل الزيادة في الأجور كما حدث بعد زيادة 15 في المائة التي أقرتها الحكومة والتي أدت في واقع الأمر إلى انخفاض الدخل الحقيقي بانخفاض القوة الشرائية للريال بسبب التضخم. ويُخشى أن رفع الأجور دون ربطها بالإنتاجية يدخلنا في دوامة شريرة لا قرار لها. وهنا لا بد من التفريق بين الدخل النقدي الورقي والدخل الحقيقي، أي القوة الشرائية للريال. فالأرقام العالية للأجور قد تبدو في ظاهر الأمر مغرية وتمنح الأفراد راحة نفسية، لكن في حقيقتها لا تغني ولا تسمن من جوع، لأنه في نهاية الأمر المهم هو كمية السلع والخدمات التي يمكن للفرد الحصول عليها وهذا يحدده مستوى التضخم. ولذا كان على الناس الانتباه إلى أن هناك علاقة طردية بين ارتفاع الأجور وارتفاع مستوى التضخم. وإذا كان كذلك كان عليهم المطالبة بخفض مستوى التضخم وليس زيادة مستوى الأجور.
الحقيقة أن قضية رفع مستوى المعيشة أكبر وأعقد من أن ينظر إليها من زاوية ضيقة كإجراء حكومي أو اختزالها بقرار بيروقراطي لا يتعدى رفع الرواتب. لا بد من رؤية شاملة وعميقة للاقتصاد الوطني والاعتراف بأنه يعاني ضعف الإنتاجية وأن الدخل الوطني لا يعكس بالضرورة الإنتاجية وإنما العوائد النفطية التي تتحدد بمستوى سعر برميل النفط في السوق العالمية. كما أن مستوى المعيشة مرتبط بمستوى كمية ونوعية وجودة السلع والخدمات الحكومية. فالخدمات البلدية والتعليمية والصحية وغيرها تمثل جزءا من دخل المواطن فإن ارتفع مستواها ارتفع دخله وإن هبطت هبط دخله! فالدخل ليس الأوراق النقدية بذاتها وإنما قوتها الشرائية أي السلع والخدمات التي يمكن الحصول عليها بإنفاق الراتب. وعلى أن تدخل الحكومة في ضبط السوق والحد من جشع التجار وسعيهم بطرق مشروعة وغير مشروعة في امتصاص الزيادة في الأجور (ليكونوا هم المستفيدين من الزيادة وليس المواطن العادي!) قد يكون مفيدا في المدى القصير للتخفيف من وطأة المشكلة وربما كان حلا سياسيا أكثر منه اقتصاديا. لذا كان من الضروري تناول القضايا الاقتصادية بتحليل عميق وشفاف وشمولي، ومناقشة جذور المشكلة بحيث لا تكون المعالجة في دائرة الأفراد وتلبية احتياجاتهم فحسب، ولكن في إعادة هيكلة الاقتصاد بما يحقق المصلحة الوطنية والتنمية المستديمة. إن مسألة المطالبة برفع الأجور ستظل تؤرق صاحب القرار وتشكل ضغطا سياسيا وهي في الوقت ذاته مطالب حقيقية للمواطنين، ولكن لا يمكن الاستمرار في طرحها كقضية آنية وملحة ومعالجتها كردة فعل وقتية لا تلبث أن تطفو على السطح مرة أخرى. بل في ظل تزايد عدد السكان وزيادة نسبة التحضر (سكان المدن) وزيادة استهلاك الطاقة وتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع سقف التوقعات وصعوبة التنبؤ بأسعار النفط المستقبلية ستكون مشكلة انخفاض الدخل أكثر تعقيدا وصعوبة وستشكل تحديا له تداعيات خطيرة تمس الأمن الوطني وبالتالي يتطلب مواجهته بعمق وبحكمة وأكثر جدية.
زيادة القيمة المضافة ورفع مستوى النمو الحقيقي للاقتصاد هما السبيل للخروج من إشكالية ضعف الدخول. فالدخل الوطني يعكس الوفرة المالية وليس بالضرورة الإنتاجية الفكرية والعضلية. فقدان الربط بين الإنتاجية والدخل يقود نحو سيطرة فكر ''أخذ الكثير بأقل القليل'' على جميع المستويات الرسمية ومكونات المجتمع. وهذا نتيجة للاقتصاد الريعي ونهج الإنفاق الحكومي الاستهلاكي، حيث يتولد إحساس لدى الأفراد في أن يحصلوا على دخول عالية حتى ولو لم يتساوَ ذلك مع إنتاجيتهم. ولتحقيق إنتاج حقيقي يضيف قيمة للاقتصاد الوطني من المهم بناء اقتصاد قوي يعتمد على التقنية الحديثة والصناعات التحويلية عالية الإنتاجية ويخلق وظائف ذات دخول عالية. الهدف هنا ليس فقط رفع مستوى دخول المواطنين، ولكن توظيفهم في أعمال يستطيعون من خلالها الإسهام في الإنتاج والتنمية الاقتصادية بمستوى يجعل الاقتصاد الوطني أكثر جودة وقدرة على المنافسة في السوق العالمية ما يقود نحو تكبير الكعكة الاقتصادية وتحقيق تنمية مستديمة. لقد بات من الضروري تبني سياسات قصيرة وطويلة المدى لخفض مستوى التضخم وزيادة الإنتاجية لتجعل ''الراتب يكفي''!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي