مشاريع عملاقة تدخل السعودية في عصر صناعي اجتماعي جديد
تضع حزمة المشاريع الصناعية والتنموية العملاقة التي دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز.. تضع المملكة في نطاق عصر صناعي عملاق، ليس فقط من حيث قيمة هذه المشاريع (327 مليار ريال)، بل أيضاً من جهة طبيعتها. وهي في الواقع تخلق اقتصاداً جديداً، بات مطلوباً على كل الأصعدة، وفي مقدمتها (بالطبع) الصعيد المحلي. فالمحركات الأساسية لهذه المشاريع (الهيئة الملكية، أرامكو، سابك، القطاع الخاص) هي في الواقع محركات موجودة، لكن هذه المشاريع أوجدت لها ''ذهنية'' اقتصادية، تشكل الاستدامة محوراً رئيساً فيها، في وقت يسعى فيه العالم أجمع إلى تكريس الاستدامة وسط الأمواج الاقتصادية العالمية المتلاطمة، وفي ظل تراخ هنا، وتعثر هناك، بل وفشل هنا وآخر هناك.
أن يحظى القطاع الخاص بـ 11 مشروعاً، من جملة مشاريع هذه الحزمة الهائلة، في المدينتين الصناعيتين (الجبيل وينبع)، فهو يدخل مباشرة في استحقاق الاستدامة، وفق رؤى تختلف تماماً عما كان معمول به طوال العقود الماضية. خصوصاً عندما تكون الصناعة، المحور الأول لأي اقتصاد متجهة من حالة ''الاقتصاد المتناثر'' – إن جاز التعبير - إلى وضعية الاقتصاد الكلي. وهي عملية ليست سهلة، ولا سيما في مرحلة البناء الاقتصادي الذي يحاكي استحقاقات لا يمكن بأي حال الالتفاف حولها.
والاستدامة الحقيقية، لا تتركز فقط في استمرار الأداء وتطور الإنتاج وتنوعه، بل لا بد أن تشمل أيضاً عوائد لكل الأطراف المباشرة وغير المباشرة. ولعل من الجوانب المهمة لهذه المشاريع العملاقة، أنها ستعمق لدى شركتين عامتين كـ ''أرامكو'' و''سابك''، ''ذهنية'' العمل بالمفهموم الاقتصادي غير الحكومي، الذي يحمل (في أي مكان) دائماً أعباء لا يريدها، لكن يصعب التخلص منها. إنها عملية متكاملة متداخلة، وتشكل ''نواة'' الحقيقة الاقتصادية، أو الحقائق المتسيدة للمشهد العام في كل مكان.
إن الجوانب الاجتماعية لهذه المشاريع، جزء أصيل من الجوانب التنموية. وهي لا تتوقف فقط عند توفير أكثر من 26 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بل تؤسس في الواقع لمجتمع جديد مرتبط بها، من خلال مشاريع الإسكان التي تدخل ضمن نطاقها. وهي على الشكل التالي: 382 وحدة سكنية لمنتسبي ''سابك''، ومشاريع عديدة للقطاع الخاص في هذا المجال، والمشاريع السكنية في الجبيل الصناعية، والمشاريع الإسكانية الخاصة بالهيئة الملكية، إلى جانب المشاريع الخدمية. هناك ما لا يقل عن 1500 وحدة سكنية أخرى، إلى جانب سلسلة من البنايات السكنية. وكل هذه المشاريع متصلة بأخرى ترتبط بالبنى التحتية في كل المجالات التي تتطلبها هذه المدن وسكانها. بما في ذلك المدارس والجامعات ومراكز التدريب ومستشفيات وعيادات ومساجد وغيرها من تلك التي لا يستوي مجتمع بدونها. التفاصيل كثيرة في هذا المجال المحوري، وهي في النهاية تدخل في سياق العصر الصناعي الجديد، الذي يُصنع حالياً في المملكة.
''مشاريع العصر'' في المملكة، تحمل معها عوائدها الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، من خلال ثقافة تنموية جديدة. وهذه الثقافة لن تظل جديدة، إذا ما افتقدت في المستقبل عناصر تجددها.
كاتب اقتصادي