النفط الصخري الأمريكي يعوق انتعاش صناعة المشتقات
أحدثت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة تحولات في تجارة النفط العالمية، وسببت كذلك جيشاناً في سوق المشتقات النفطية، وصعبت الحياة أمام منتجي النفط الصخري في أمريكا.
الشركات الأمريكية الواقفة وراء الزيادة في إنتاج النفط في الولايات المتحدة تبيع المزيد من إنتاجها مقدماً لضمان الإيرادات. يحدث هذ ضغوطاً على أسعار النفط في المستقبل، ويجعل من الصعب على هذه الشركات الدخول في عقود تحوطية وحاسمة.
تضاعف الإنتاج من أكثر الحقول غزارة بنحو ثلاث مرات منذ بدأ إنتاج النفط الخام في عام 2011 من حقل باكين في داكوتا الشمالية للنفط الصخري. وفي نفس الفترة انخفض سعر نفط غرب تكساس المتوسط المحدد لبيعه بعد ثلاث سنوات من 105 دولارات للبرميل في أيار (مايو) من عام 2011، إلى 81.51 دولاراً للبرميل في حزيران (يونيو) من هذه السنة.
أصبح هذا مصدر قلق للشركات المستقلة التي تسيطر على إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري. ولكي تتمكن هذه الشركات من جذب القروض اللازمة لمواصلة الحفر، لجأت أغلبها إلى البيع بعقود آجلة لكي تبين للبنوك أنها ربطت سعر النفط بشكل يزيد عن كلفة إنتاجهم.
يقول بعض المحللين إنه على الرغم من الاختلاف في سعر النفط الذي تكون كلفته مساوية للعائد من شركة لأخرى- وهو أمر يعتمد على تكاليف الإنتاج النشطة ووضع ديون الشركة- فإن أسعار النفط في المستقبل باتت تقترب من منطقة الخطر.
يقول ستيفين شيبرد من شركة سيمونز آند كومباني، وهي بنك استثمار في الطاقة يقع في هيوستون: ''إنتاج النفط في شمال أميركا مقيد بشرط القوة المستمرة في الأسعار المستقبلية. لكي تزيد شركات صناعة استكشاف النفط وإنتاجه من إنتاجها، عليها أن تشهد أسعاراً حدها الأدنى يتراوح ما بين 85 إلى 90 دولاراً للبرميل لنفط غرب تكساس المتوسط''.
يفسر مضمون ذلك أحد المصرفيين الذين يرتبون عقود التحوط للمنتجين المستقلين، بقوله بصورة فجة: ''إذا لم يتمكن الرجال الصغار من التحوط فوق تكاليف إنتاجهم، فيمكن اعتبارهم في عداد الأموات، لن يتمكنوا من الحصول على قروض، ولن يكون لديهم القدرة على حفر أبار النفط''.
يحذر هذا المصرفي وغيره من المصرفيين من ميل الشركات الصغيرة للتحوط فقط لمدة سنة أو سنتين، حيث أسعار العقود الآجلة لم تنخفض بالقدر نفسه. على سبيل المثال، انخفض سعر نفط غرب تكساس المتوسط لأجل سنتين ليصل إلى 83.69 دولاراً هذا العام. ومع ذلك، يقول أحد المحللين الذين يقدمون المشورة للمنتجين، إنه أجاب في الشهر الماضي على عدة أسئلة تتعلق بأسعار العقود الآجلة في الأمد الطويل.
يقول محللون ومتداولون إن السبب الرئيسي في الإتجاه النزولي للأسعار، هو الأنشطة التي يقوم بها المنتجون بأنفسهم ببيع النفط الصخري في عقود التحوط الآجلة. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الزيادة في نمو الإنتاج بيد المنتجين المستقلين – مثل شركة النفط المستقلة إي أو جي التي ضاعفت من إنتاجها من النفظ الخام والنفط الخام الخفيف بين الأعوام 2010 و 2012، نجد كذلك تزايداً في أنشطة التحوط لديها.
ليس من الضروري أن تتم عملية التحوط من خلال العقود الآجلة، تستطيع بعض الشركات استخدام الخيارات، أو الدخول في عقود تبادلية للتأمين مع البنوك، وكلها استراتيجيات تحوط يغلب عليها أن تؤثر على سوق العقود الآجلة، لأنه يتوجب على البنوك في مثل هذه الحالة تغطية تعاملاتها الخاصة. كما يميل المنتجون إلى التحوط في المستقبل أكثر من ميل بعض الشركات المستخدمة للنفط مثل شركات الطيران لشراء الإنتاج. وهو ما يؤدي إلى زيادة ضعف الأسعار على المدى الأبعد.
يقول جوناثان وايتهيد، الرئيس الدولي لأسواق السلع في بنك سوسييتيه جنرال: ''كان هناك دائماً تبايناً بين المنتجين والمستهلكين في أسواق العقود الآجلة، ولكن زيادة إنتاج المنتجين المستقلين جعلت الامور تؤول للأسوأ''.
السؤال الآن بالنسبة لمنتجي النفط الصخري هو ما إذا كان يوجد أي شيء يمكن أن يعوض نشاطهم المتزايد في التحوط.
سوف ينجذب مشترو النفط العاديون الموجودون في السوق مثل مصافي النفط ومستخدمي الوقود الذين يستهلكون منتجات النفط، إلى السوق ثانية مستخدمين أسعار العقود الآجلة المنخفضة لتثبيت الأسعار. وهناك بالفعل بعض المشاركين في السوق ممن يقولون إن هناك علامات عملت على جذب المستهلكين للسوق ثانية، بسبب الإنخفاض الأخير في أسعار العقود الآجلة.
يقول ريكاردو بورتولوتي، رئيس شركات الطاقة في فريق مشتقات السلع في بنك بي إن بي باريبا: ''شاهدنا في الستة أسابيع الماضية بعض شركات النقل تستفيد من الأسعار المنخفضة من الجانب الخلفي للمنحنى من أجل أن تتحوط لفترات أطول من المعتاد''.
هناك انخفاض بأعداد ما يسمى التحوط الاستهلاكي في السنوات الأخيرة بسبب التراجع في تقلب أسواق النفط، الأمر الذي قلل من جاذبية التحوط. وشركات الطيران التي يعتبر بعضها من أكبر المشترين للنفط المستقبلي، حدت من نشاطها في التحوط بسبب الضعف النسبي في ميزانياتها العمومية.
بالنسبة لبعض المحللين، يعني هذا أن أسعار الأمد الطويل ستكون على الأرجح أدنى بدلاً من أن تدفع الأسعار في المستقبل المنظور، وهو وضع بعرف ''بالتبادل العكسي للأسعار''.
يقول جيفري كوري الرئيس الدولي لأبحاث السلع في بنك غولدمان ساكس: ''بدأنا بالتراجع المستمر للحصول على نتائج بعد فترة طويلة، وهذا يذكرنا بما حدث في التسعينيات عندما تنازلت الشركات الكبرى عن أجزاء كبيرة من الإنتاج إلى المنتجين المستقلين''. إذا كان هذا صحيحاً، فعلى الرواد المستقلين في ثورة النفط الصخري أن يتعاملوا مع الجانب السلبي لذلك''.