بنينا منشآتنا الرياضية .. فأين منشآتنا الثقافية؟
في الأسبوع الماضي رأيت رؤية في المنام مفادها أن وزارة الثقافة والإعلام أرست على إحدى الشركات العالمية المتخصصة مشروع بناء ثلاثة متاحف عالمية في كل من العاصمة الرياض ومكة المكرمة وجدة. وجاء في مواصفات مشروع المتحف الواحد بناء قاعة كبرى مميزة بمساحة تقدر بـ 88,000 متر مربع مكونة من قبو وخمسة طوابق بما في ذلك صالات عرض ومسرح كبير وقاعات متعددة الأغراض مع منطقة خدمات مرتبطة بها ومتصلة بثلاثة طوابق تحت الأرض عبارة عن مواقف للسيارات، وأن مبنى المتحف شبه كروي بقطر 150 مترا تتقدمه واجهة خرسانية ذات تجاويف وجدران خرسانية حاملة، المساحات الداخلية عبارة عن جدران خرسانية على شكل هلال ثلاثي الأبعاد مع تشطيبات وديكور داخلي وأثاث مميز، موقف السيارات مصمم بشكل حلزوني مزدوج، وقبة مفتوحة باتجاه السماء تستجدي رب العالمين أن يزرع هذه المشاريع فوق الأراضي السعودية في أقرب فرصة. وطالبت الوزارة من مقاولي البناء من ذوي الخبرة في مشاريع عالمية المستوى ومن أولئك الذين نفذوا مشروعاً واحداً على الأقل بقيمة 1,5 مليار ريال، ولديهم متوسط دخل سنوي مقداره مليارا ريال التقدم لشراء كراسة المشروع من مقر الوزارة في العاصمة الرياض.
وأفقت من النوم وكانت الفرحة تغمرني، واستبشرت خيراً بهذه الرؤية، وقلت خيراً -إن شاء الله- إنها باكورة منشآتنا الثقافية على وشك أن تهل علينا بهذا الخير الكبير، وعلى الفور تذكرت مشروع متحف الأخ الدكتور ناصر الزهراني وقلت لنفسي إن مشروع وزارة الإعلام أكبر بكثير من مشروع الزهراني، لكن ليمضي الزهراني في مشروعه ولتأخذ وزارة الإعلام زمام المبادرة وتنفذ أول مشاريعنا الثقافية العالمية الكبرى. إن وجود هذه المملكة الفتية من دون منشآت ثقافية لا يتناسب قطعاً مع وجود نخبة جليلة من المثقفين والأدباء والشعراء والفنانين، أقول صراحة من العار علينا ونحن نملك كل هذه الكنوز والثروات من الآثار الإسلامية وما قبل الإسلامية وما بعدها ولا تكون لدينا منشأة ثقافية نطل من خلالها على العالم، وننشر قوانا الناعمة في كل أنحاء المملكة، ثم ننشر قوانا الناعمة في كل أنحاء العالم.
إن مشروع بناء متاحف عالمية في المملكة العربية السعودية وبناء مكتبات وبناء قصور للثقافة وبناء أندية ثقافية وأدبية وبناء معاهد فنية وبناء دور للسينما والمسرح كان يجب أن يتم منذ نصف قرن، لكننا تأخرنا كثيراً، لكن تأخرنا لا يبرر تقاعسنا الآن، الآن يجب أن نبادر بتعويض ما فات، ونبدأ فوراً في التشييد والبناء.
إنني أتمنى على معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة أن يرصد في ميزانية وزارته العام المقبل مبلغ ملياري ريال للبدء بتنفيذ مشروع المتاحف السعودية العالمية، ودعوني أتساءل: هل بناء المنشآت الرياضية أهم من بناء المنشآت الثقافية؟
قطعاً كل المنشآت الثقافية والرياضية على درجة كبيرة من الأهمية، لكن في تقديري المنشآت الثقافية قوة ناعمة تتقدم على المنشآت الرياضية.
في المجال الرياضي نتحدث بكل فخر عن المنشآت الرياضية التي نفذتها الحكومة بنجاح منقطع النظير في كل المناطق، ولدينا منشآت جامعية ومنشآت مدرسية ومنشآت حكومية ضخمة في كل التخصصات إلا في الثقافة، ليس لدينا ولا منشأة واحدة، ليس لدينا مكتبات مركزية عامة في المدن السعودية، ليس لدينا متاحف إسلامية وطنية كبرى في مناطق مختلفة من المدن السعودية رغم أننا البلد الذي شع منه نور الإسلام الحنيف، وفيه كل الآثار الإسلامية الجليلة التي أهدرنا -مع الأسف الشديد- الكثير منها. إذن نحن في أمس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمفهوم الثقافة، في حاجة إلى بناء مؤسسات وطنية ثقافية تقوم بدور واضح في وضع وتصميم برامج التنمية الثقافية، ويجب أن نشهر اعترافنا بالثقافة ودورها، أمّا أن نضع معظم أنشطة الثقافة في مرمى الاستنكار والاستخفاف، بينما العالم كله يجل الثقافة وينميها وينشرها في ربوع البلاد، فهذا ما يجب أن نعيد النظر فيه. إذن لا تثريب على وزارة الثقافة والإعلام أن تباشر من الآن بناء متاحف إسلامية وطنية في المدن الرئيسة من مملكتنا الغالية، وبالذات في المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي العاصمة الرياض التي اعترفت اليونسكو بآثارها الحضارية المبهرة، وفي جدة، وفي الأحساء آثار وآثار حان الوقت أن نعلن احترامنا لها، وغير ذلك من المدن السعودية التي شهدت الكثير من الحضارات القديمة الغابرة.
إن المجتمع يجب أن يتوازن، وحتى يتوازن فلا بد أن يأخذ بالخطط التنموية الشاملة في كل مجالات حياته، في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والسياسة، والرياضة، أمّا أن نهتم بمحاربة الفقر اقتصادياً، وننسى محاربة الفقر ثقافياً، فهذا مأخذ نؤاخذ عليه، ولن تكون في بلادنا تنمية متوازنة إلا إذا نفذنا مشاريع التنمية في جميع المجالات.
إن أمام وزارة الثقافة والإعلام دورا كبيرا على طريق بناء المؤسسات الثقافية، وأزعم أنه بعد أن صدر الأمر الملكي بتأسيس هيئة الإذاعة والتلفزيون وكلفت الهيئة بالاختصاص في الإذاعة والتلفزيون، فلم يبق لوزارة الثقافة والإعلام إلاّ الثقافة، وأمامها مجال كبير لبناء المؤسسات الثقافية الوطنية الكبرى، ولا سيما أنه لا توجد لدينا مؤسسات ثقافية بالمعنى الحِرَفي غير الأندية الأدبية وجمعية الطوابع وجمعية الفنون اللاهثتين.
والمؤسف أن نشاط هاتين المؤسستين محدود للغاية ومخجل للغاية وتقع معظمها في بيوت شعبية مخجلة، بل نستطيع القول إنه لا يوجد نشاط ثقافي في هذه البيوت، ولا توجد منشآت وطنية ثقافية نشير إليها بالبنان كما نشير إلى بقية المنشآت الحكومية سواء في مجال الرياضة أو في مجال التعليم أو في مجالات حكومية كثيرة.
إن المملكة دولة عظمى ويجب أن تكون لها مؤسسات ثقافية بحجم عظمتها وكبرها ودورها الحديث، ونعلم جيداً أن كل الدول العظمى لها مؤسسات ثقافية مبهرة، لها متاحف ولها مكتبات مركزية عامة، ولها دور للسينما، ولها دور للأوبرا، ولها دور للمسرح، ولها بيوت للثقافة، ولها كليات ومعاهد عليا لنشر الثقافة في ربوع البلاد، وهنا أتساءل: إلى متى نبقى من دون منارات ثقافية؟ وإلى متى نقبل كل أشكال وألوان استنكار الفنون المعبرة عن الحضارة الإنسانية؟ وإلى متى نقبل أن نظل أسيري الأفكار المحنطة التي ترمي الثقافة بمخالفتها للتقاليد والشرائع؟
إن بناء المنشآت الثقافية الوطنية الكبرى كما بنينا وعمرنا المدن الرياضية الكبرى سيغير من قناعات من كان يستنكر الكثير من أنشطة الثقافة، ويجب أن نتذكر أن الرياضة كانت في مرمى الاستنكار من كثير من فئات المجتمع، لكن حينما بنينا المدن الرياضية والاستادات الرياضية انخرط الكل في تأييد النشاط الرياضي ودعمه.
إننا نحتاج إلى تعريف الناس بأهمية الثقافة ودورها في بناء الأمة وتنوير الشباب "ولا ننسى أننا في عصر الشباب"، وعندئذ يقتنع من يستنكر الثقافة بأهمية الثقافة ودورها في التوعية والتنوير وبناء الوطن.