بعض تأثيرات رمضان الاقتصادية
يؤثر التدين بشكل كبير في القرارات والتصرفات الاقتصادية، فهو يدفع الإنسان للتحلي بالأمانة والالتزام بالأخلاقيات الحميدة في العمل والتعامل مع الناس، ويساعده على أن يكون منطقياً وأكثر عقلانيةً في قرارات الاستثمار والاستهلاك والادخار. ويظهر تأثير التدين بشكل أقوى في المواسم الدينية التي تنتشر في الثقافات كافة وتؤثر بدورها في المتغيرات الاقتصادية. ومن هذا المنطلق فلا بد أن لشهر رمضان تأثيرات ملموسة في القرارات الاقتصادية، ففيه يرتفع الميل نحو استهلاك المباحات وتجنب استهلاك المحرمات، كما تميل الأسر إلى البقاء في المنازل والعودة من رحلات السفر والتجول. وتم التطرق في المقالة السابقة إلى الطفرة الاستهلاكية التي تحدث في رمضان، وأن هذه الطفرة قد تقود إلى آثار متعددة على النواحي الاقتصادية. ولا يقتصر تأثير الصوم وشهر رمضان في استهلاك الأسر، الذي يدفع بالطلب الكلي إلى مستويات أعلى، لكن توجد تأثيرات متعددة في كثير من المتغيرات الاقتصادية. وترتفع في هذا الشهر أنشطة أعمال الخير، ويؤقت الكثير من الناس دفع زكواتهم وصدقاتهم في شهر رمضان. وتزداد التحويلات الحكومية للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي، كما يتلقى العديد من العاملين في الأجهزة الحكومية وبعض القطاعات الخاصة حوافز خاصة بشهر رمضان. وبهذا ترتفع عدالة توزيع الدخول في المجتمع خلال هذا الشهر الكريم، كما تتحسن دخول كثير من الأسر في هذا الشهر، ما يرفع مستويات الاستهلاك والادخار.
ونظراً للتأثيرات الكبيرة للصوم في مشاعر الناس والراحة النفسية وتحسن العلاقات الأسرية والمشاعر الإيجابية وتحسن المزاجية فلا بد أن تؤثر بشكل أو بآخر في تصرفات الأفراد وقراراتهم الاقتصادية. ووجد حسب دراسات متعددة أن المشاعر الإيجابية تؤثر بشكل إيجابي في التصرفات الإنسانية وتقود إلى المزيد من الثقة، ما يحفز الاستثمار في القطاعات الاقتصادية كافة. وتسعى الدول بجميع أجهزتها ووسائل إعلامها إلى رفع ثقة الأفراد باقتصادها لتحفيز الاستثمار وزيادة ثقة الناس بالمستقبل وتنفق في سبيل ذلك الأموال الطائلة. إن تحسن مزاجية الناس يدفعهم إلى الإقبال على الاستثمار وكذلك الاستهلاك، ما قد يساعد على تحسن أسعار الأصول المالية وغير المالية. ووجد في دراسة بحثية تحسن أسعار الأسهم في عدد من الدول الإسلامية خلال شهر رمضان، لكن المملكة لم تكن من ضمنها.
ويساعد الصوم على تحسن وتهذيب أخلاقيات الناس من خلال تربيتهم على التحكم في مشاعر الغضب والحد من الإساءة إلى الآخرين والتواصل مع الأقارب ومساعدة المحتاجين. كما يشعر الصائمون بأنهم ينجزون ركناً مهماً من واجباتهم الدينية وتتولد درجة كبيرة من النشوة والانشراح عند الإفطار وبعد إكمال العبادات. ويؤكد عدد من الباحثين أن المشاعر الإيجابية، التي يتحقق الكثير منها في شهر رمضان، تولد نظرة إيجابية تجاه المستقبل، ما يدفع إلى المزيد من الاستثمار في الأصول. ويساعد الصوم على تحسين الحالة الصحية للصائمين. ووجدت علاقة إيجابية بين الحالة الصحية الجيدة والاستثمار في الأصول مرتفعة المخاطر، حيث يميل الأصحاء إلى تحمل المزيد من المخاطر في الاستثمار. ويؤثر شهر رمضان في حركة السياحة بالمملكة، حيث يؤقت الكثير من الأسر رحلات السفر الصيفية قبل هذا الشهر الكريم أو بعده، وأدى هذا إلى تقصير مدد سفر الأسر، خصوصاً إلى خارج المملكة، بسبب وقوع شهر رمضان في منتصف الإجازة الصيفية خلال الأعوام الأخيرة. ولهذا فلا بد أن الإنفاق على السفر، خصوصاً إلى الخارج قد تراجع عن مستوياته المحتملة بسبب شهر رمضان، وتنفق الأسر في المملكة جزءا كبيراً من دخلها على السفر. وفي المقابل تكثر في هذا الشهر رحلات العمرة وزيارة المسجد النبوي الشريف، ما يؤثر بشكل إيجابي في الاقتصاد المحلي. ولهذا فإن لشهر رمضان تأثيراً إيجابياً في القطاع السياحي في المملكة، فهو يخفض من التحويلات إلى الخارج الذي يقوم بها المقيمون في المملكة ويرفع من التحويلات إلى داخل المملكة.
إن العديد من أحوال الناس والمظاهر الاقتصادية تتبدل في هذا الشهر، حيث تتراجع مثلاً حركة الأعمال والتبادلات الاقتصادية في ساعات النهار، لكن يزداد زخمها في ساعات الليل. وتشهد قطاعات التجزئة، خصوصاً المرتبطة بالغذاء والملابس، نشاطاً إضافياً في هذا الشهر. كما ترفع الأسر بعض أوجه إنفاقها في بعض المجالات كالتأثيث وتحسين المنازل. ويبدو أن هناك أثراً إيجابياً للصوم في الطلب الكلي الاستهلاكي والاستثماري وتحسناً في عدالة توزيع الدخول، وفي المقابل يبدو أن هناك تأثيرا مختلطا للصوم في الحركة الإنتاجية التي تتراجع في ساعات النهار، لكنها ترتفع في ساعات الليل. ولتحديد قيمة هذه التأثيرات واتجاهاتها في المستويين الكلي والجزئي ترتفع الحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسة والتحليل لتأثير شهر رمضان في القطاعات المختلفة وفي الاقتصاد ككل.