استراتيجية الاستفادة من الكفاءات الأجنبية
في هذه الفترة التي نشهد فيها تغيرات فيما يتعلق بسوق العمل في المملكة، الذي يتجه إلى معالجة مشكلة تتعلق بتوافر فرص العمل للمواطن، حيث إن المملكة في فترة سابقة فتحت سوق العمل بشكل كبير، نظرا للحاجة إلى كثير من الأجانب للمشاركة في إنشاء كثير من المشاريع، إضافة إلى المشاركة في مجموعة من الأعمال والوظائف التي تفتقر إلى وجود ما يكفي من الأيدي العاملة، نظرا للطفرة الاقتصادية التي شهدتها المملكة، إذ كانت الحاجة قائمة للقوى العاملة في شتى الأعمال والمهن إضافة إلى الخبرات والعقول.
وخلال الأعوام الماضية بدأت المملكة في تغيير استراتيجيتها فيما يتعلق بسوق العمل، حيث نشهد اليوم نموا كبيرا في السكان، وحاجة إلى توفير كم هائل من الوظائف للشباب الذين يدخلون بأعداد هائلة إلى سوق العمل، ومن تلك الفترة تدرج هذا البرنامج في تحفيز وإلزام الشركات والمؤسسات سواء الحكومية أو في القطاع الخاص لإحلال الوظائف التي يشغلها غير المواطنين ليحل محلهم المواطنون في تلك الوظائف.
واليوم يشهد سوق العمل حملة تسعى لتصحيح أوضاع القوى العاملة الأجنبية، كي لا يكون سوق العمل في المملكة متاحا لقوى عاملة غير نظامية، أو ممارسة لأنشطة تجارية خارج إطار الأنظمة الحكومية مثل ما هو شائع حاليا في أنشطة تجارية توصف بالتستر.
في ظل هذه العناية والاهتمام بموضوع توطين الوظائف، قد يؤدي ذلك إلى فقدان فرصة قد تضر بالاقتصاد مستقبلا، وهو مسألة الاستفادة من الخبرات الأجنبية، جاء في بعض التقارير الإعلامية أن مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI يتفاوض مع شركة سامسون الكورية الجنوبية لاستخدام سلسلة هواتفها جالكسي بدلا من هواتف بلاكبيري، رغم أن شركة بلاكبيري كندية وشركة سامسونج كورية جنوبية، ولدى الولايات المتحدة عمالقة صناعة التقنية مثل شركة "أبل" وغيرها، وفي معظم دول العالم المتقدمة تجد الاستفادة قائمة من غير مواطنيها، ويشغل البعض منهم مناصب عالية في جامعات ومؤسسات وشركات، هذا مع العلم بأن حجم القوى العاملة الأجنبية لديها أقل مما هو موجود في دول الخليج بل حتى في المملكة، ولعل ذلك يكمن في الاستراتيجية التي تنتهجها تلك الدول في تهيئة الظروف للاستفادة من القوى العاملة التي تحتاج إليها تلك البلدان، وتقليل فرص وجود قوى عاملة غير نظامية لا حاجة لها أو قوى عاملة منافسة للقوى العاملة الوطنية وإن كانت لا تخلو غالبا من وجود مثل هذا النوع من القوى العاملة تماما، كما أن المنتجات الوطنية ليس بالضرورة أن تكون لها الأولوية المطلقة، ولا حتى الشركات الوطنية فيما يتعلق بالمشاريع الحكومية ومشاريع الخدمات العامة، وهذه الأمور وإن كان بشكل عام إعطاء الفرصة للمواطن هو الأولى، لكن لا يكون ذلك على حساب أمور أخرى قد يكون لها أثر سلبي في الاقتصاد الوطني بشكل عام.
ولذلك فإن كثيرا من المنتجات الوطنية التي تحظى بدعم حكومي كبير لم ينعكس ذلك على توفير السلع بأسعار مناسبة، وكثير من هذه الشركات يشتكي من أي إجراء نظامي جديد، خصوصا ما يتعلق بالتوطين وتلوح بالزيادة في الأسعار، علما بأن منتجات عالمية مشابهة، تنتج في دول لا تقدم حجم الدعم الذي تقدمه المملكة، والبيئة العامة للعمل بها مكلفة جدا، ومع ذلك يتم استيرادها وبيعها في المملكة بأسعار مقاربة لأسعار المنتجات الوطنية، بل قد تكون بأسعار أقل نوعا ما، ومن شأن مجاملة مثل هذه الشركات فقط، لأنها شركات وطنية أوجد لديها عدم الاهتمام بتطوير كفاءتها الإدارية والمالية حيث تقلل التكلفة، ولا أيضا تخفيف استنزاف الموارد إذ إنها تستهلك قدرا كبيرا من الموارد الطبيعية غير المتجددة في المملكة بتكلفة زهيدة، وهذا أيضا ينطبق على كثير من المشاريع التي يتم ترسيتها على شركات وطنية تؤدي هذه المشاريع بتكلفة عالية وبجودة أقل من المطلوب. كما أنه حتى في الوظائف المتخصصة التي تتطلب خبرات عالية تجد أن المطالبة قائمة بتوطين تلك الوظائف لا على أساس أن المواطن يحمل خبرات كافية لشغلها بل لأن من يشغلها أجانب، ولذلك قد نخسر مستقبلا خبرات كبيرة على مستوى مجموعة من الشركات الكبرى والبنوك إضافة إلى الجامعات ومراكز البحث، بسبب الإلحاح في توطين تلك الوظائف، علما بأنه وبلا شك أن المواطن الذي لديه الكفاءة أولى بشغل تلك الوظائف إذا كان لديه الإمكانات الكافية، كما أن الاستفادة من الخبرات حتى في وجود خبرات وطنية أمر مهم، وهذا موجود حتى في الدول المتقدمة، فهناك منافسة فيما بينها لاستقطاب هذه الخبرات رغم ما تتمتع به تلك الدول من خبرات محلية متميزة، فوجود الخبرات سواء الوطنية أو الأجنبية يكون له إضافة للاقتصاد وقد يوجد فرص للقوى العاملة الوطنية بدلا من أن يزاحمها عليها.
فالخلاصة أن مسألة وجود استراتيجية لهذه المرحلة في كيفية الاستفادة من الأجانب سواء على مستوى الخبرات الفردية أو الاستثمارات أو المشاريع بما يعزز من وجود الفرص وأداء الاقتصاد الوطني ويحقق التنمية المستدامة.