مشكلة الإسكان : وفرة في التمويل .. شح في المعروض
يعاني سوق العقار ضعف التنظيم الحكومي الذي يحفظ المصلحة العامة ويكسر حالة الاحتكار، كما أنه يفتقد سياسة شاملة تنسق بين جميع الأطراف ذوي العلاقة من منظمين وممولين ومقاولين وتجار وصناع وعملاء. وعلى الرغم من وجود وزارة مختصة بالإسكان إلا أن التحدي أكبر بكثير من سلطتها، لأن الشأن العقاري معقد تتشابك فيه مصالح نافذين ومؤثرين في القطاعين العام والخاص، وهو في الوقت ذاته يخضع لثقافة متجذرة لزمن طويل في أن الأرض العامة يمكن إقطاعها لغرض التجارة وتحقيق المنفعة الشخصية. هذا الوضع أدى إلى تضخم أسعار الأراضي أو بتعبير أدق انتفاخها، حيث أصبحت تشكل أكثر من نصف تكلفة المسكن! ليقف أكثر الناس موقف العاجز عن امتلاك مسكن بل وحتى عدم استطاعتهم تحمل تكاليف الإيجارات الباهظة التي هي الأخرى واصلت الارتفاع مع ثبات دخول الأفراد. ولأن العقار يشكل نسبة كبيرة من دخول الأفراد تصل إلى 35 في المائة وربما أكثر فقد أثرت في القوة الشرائية للأجور وخفض مستوى المعيشة! وإذا ما تزامن ذلك مع ارتفاع نسبة البطالة فإنها تؤثر سلبا في الوضع الاقتصادي والأمني. ولذا كان من الضروري النظر لقضية الإسكان من منظور أنها قضية وطنية لها تباعات اقتصادية وسياسية وأمنية وتشكل تهديدا للأمن الوطني، ولا يمكن اختزالها بالجوانب الإدارية والمالية والتعامل معها بأسلوب سطحي وحلول سريعة دون الغوص في جذور المشكلة واتخاذ قرارات جريئة وحاسمة تعيد الأمور إلى نصابها.
إن المتتبع لسوق العقار والتي تبدأ بإقطاع أراض عامة بمساحات كبيرة، يجد أن ذلك هو رأس المشكلة والسبب الرئيس وراء أزمة الإسكان. فالمالك الأول وبحكم الاحتكار يضع سعرا عاليا لتنتقل الأرض بعد ذلك من وسيط إلى آخر حتى تصل إلى المستهلك الأخير، وقد بلغت سعرا خياليا لا يتناسب مع ما تقدمه الأرض من خدمة، فالأراضي جميعها صحراء قاحلة لا تمتاز بنهر جار ولا غابة غناء! بل وتعاني من قصور الخدمات! الإشكالية لا تقف عند هذا الحد، ولكن المصيبة الكبرى أن الاقتصاد الوطني لا يستفيد من تلك التعاملات لأنها لا تسهم في إضافة قيمة تجعله أكثر إنتاجا وأقدر تنافسيا. وهكذا يتم تداول الأراضي بطريقة احتكارية تدفع بالسعر إلى الأعلى دون أن يعكس ذلك أي منفعة إضافية للمستهلكين. هذا الاحتكار المصطنع سببه سوء استخدام السلطة العامة وتوظيفها لتحقيق المصالح الخاصة حتى وإن بدت في ظاهر الأمر على الورق صحيحة. فقرار منح الأراضي العامة دون ضوابط تحفظ المصلحة العامة ودون معايير تنافسية تتساوى فيها فرص المطورين يؤدي إلى انفلات تنظيمي ووضع مشوش يستغله النافذون للحصول على أكبر قدر من الكعكة الاقتصادية وأخذ ما في جيوب الناس وامتصاص مدخراتهم دون حول منهم ولا قوة. وما يزيد الطين بلة أن فاتورة الحكومة لمعالجة مشكلة الإسكان تتضخم وتصب في مصلحة ملاك العقار وبالتالي لا يظهر لها أثر يلمسه الجميع. الأرض التي كانت عامة وتمتلكها الحكومة وحولت إلى خاصة وبات على الحكومة شراؤها "نزع ملكيتها" لتعود عامة مرة أخرى! ولأن أكثر الأراضي داخل المدن وخارجها مملوكة من أفراد بقوة القانون والسلطة العامة "مجانا أو بأسعار زهيدة جدا"، وليس من خلال آلية السوق فقد قضي على كفاءة وفاعلية السوق العقارية وانتفت المنافسة التي تستجيب لمتطلبات المستهلكين تكلفة وكما ونوعا وجودة. ولذا لن تستطيع وزارة الإسكان مهما أوتيت من صلاحيات ومخصصات مالية أن تعالج مشكلة الإسكان على الأقل بالقدر المأمول لأن بناء المسكن يحتاج إلى أرض والأراضي العامة أكثرها تحولت لملكية خاصة!
الإنفاق الحكومي السخي لمعالجة الإسكان سيفاقم أزمة السكن، إذ إنه سيؤدي إلى رفع الطلب على العقار مع ثبات العرض ما يعني دفع الأسعار إلى مستويات أعلى وزيادة التضخم. كما أن الإنفاق الحكومي سيغري ملاك الأراضي ذوي الإقطاعات الكبيرة باللجوء إلى أساليب احتكارية تتيح لهم الحصول على جزء من ذلك الإنفاق. وهكذا نرى أن التركيز على التمويل في معالجة مشكلة الإسكان لا يكفي بل إنه يفاقمها لأنه يركز على جانب الطلب ويغفل جانب العرض. ولزيادة المعروض لابد من إصدار قرار وطني سيادي يعيد الإقطاعات الكبيرة إلى ملكية الدولة وإلا ستظل مشكلة الإسكان تراوح مكانها. وعندما تعود الأراضي إلى أصلها العام تقوم أجهزة البلديات بطرحها في منافسة عامة على المطورين وإذا ما استقر على المطور الأقل تكلفة يتم منحها إياه، إضافة إلى هامش ربحي محدد مسبقا، ويتم طرح الأراضي بسعر محدد ومن ثم يترك تداولها لقوى السوق. هكذا نقضي على حال الاحتكار وتتم زيادة المعروض من الأراضي بأسعار تعكس كمية الطلب والعرض الحقيقية.
السكن ليس سلعة استهلاكية كمالية وإنما عنوان للاستقرار والانتماء والارتباط بالأرض. ولذا فقضية السكن تحتاج إلى إعادة نظر وحسابات وإصدار قرارات تعيد التوازن الاقتصادي والاجتماعي في ظل نظام يحقق تكافؤ الفرص ويجعل آلية السوق تعمل بكفاءة في توزيع الموارد وتدفع نحو زيادة الإنتاجية وخفض التكلفة. الأمر على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة ويحتل أولوية وطنية ويستلزم الإسراع في اتخاذ إجراءات صارمة ونافذة وجريئة. وفي حال تعذر ذلك فلا بد من الخروج من النظام العقاري الحالي ببناء ضواح أو حتى مدن جديدة تعتمد على مشروعات حكومية جاذبة للاستثمارات الخاصة. الوضع لا يحتمل التأخير لأن مشكلة الإسكان تتفاقم وتكبر يوما بعد يوم ولا بد من حسم المسألة بدلا من منحها مسكنات مالية كمن يطفئ النار بإلقاء مزيد من الحطب!