الطفرة الاستهلاكية في رمضان
شهر رمضان شهر البر والإحسان، شهر كريم ومحبب إلى النفوس، فيه تضاعف الحسنات وتكثر أعمال الخير، ويتسابق الأتقياء لاستغلال هذا الموسم الأخروي العظيم. وتشتاق الأنفس المؤمنة للقاء هذا الشهر كاشتياقها للقاء شخص عزيز عاد بعد غياب طويل، ويزداد الشوق إلى رمضان كلما ازدادت درجة إيمان الأشخاص الذين تغمرهم مشاعر السعادة والطمأنينة والروحانية خلاله. وعند قرب حلول شهر رمضان يتسابق الناس لشراء البضائع الرمضانية ويبدأون في تكديسها وكأنهم خائفون من نفادها. وعلى الرغم من كون هذا الشهر هو شهر الصوم والسيطرة على الشهوات وخصوصاً الأكل والشرب، إلا أن عادات الناس قد حولت هذا الشهر مع مرور الزمن إلى شهر أكل ما لذ وطاب وزيادة الأوزان. كما تبدلت أحوال معظم الناس في هذا الشهر الذي كان من شهور الإنجازات العظيمة إلى شهر للتسالي والسهر في الليل، والكسل والنوم في النهار. وتفننت الأسر والأسواق في صناعات المأكولات الخاصة في رمضان، وأصبح لزاماً في عرف العادات الاجتماعية إعدادها لأفراد الأسر والضيوف، ما أوجب تخصيص المزيد من الموارد لإنفاق الأسر على المأكولات في هذا الشهر الكريم. وقد أدى تغير العادات الاستهلاكية في رمضان إلى إحداث طفرات في الطلب على كثير من السلع والمنتجات وعلى أنواع محددة منها. هذا وقد أدرك مزودو السلع التي يرتفع عليها الطلب في رمضان الزيادة المتوقعة في الطلب الاستهلاكي وتصرفوا كمعظمين للأرباح وقاموا برفع الأسعار.
ولا يخفى على أحد حقيقة ارتفاع أسعار السلع والمنتجات الغذائية والملابس عند اقتراب وبعد حلول شهر رمضان المبارك. ويشتكي المستهلكون من جشع التجار في رفع الأسعار، ولكنهم يتناسون تدفقهم إلى الأسواق لشراء الحاجيات الرمضانية ولوازم العيد، ورفع استهلاكهم بنسب كبيرة مع حلول هذا الشهر الكريم، والتسبب في إحداث طفرة استهلاكية. وتعتبر هذه الطفرة الكبيرة المسؤولة الأولى عن زيادة الأسعار الموسمية، ولو رشَّد المستهلكون من الزيادة في مشتريات رمضان ولوازم العيد لما صعدت الأسعار بهذه المستويات. ويستطيع التجار والمنتجون رفع الأسعار بحرية أكبر لو كانت السلع محتكرة، ولكن أسواق معظم السلع الغذائية والملابس تتمتع بدرجة كبيرة من التنافس، ولهذا فإن إلقاء اللوم على التجار وحدهم غير منطقي لتفسير زيادة الأسعار. ويشهد هذا الشهر ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم مثلاً، على الرغم من وجود عدد كبير من منتجيها، ما يؤكد وجود قوة تنافسية كبيرة بينهم، ومع هذا يلاحظ ارتفاع أسعارها بقوة في شهر رمضان. وتؤدي زيادة الطلب على السلع الأساسية كاللحوم التي تنخفض فيها المرونات السعرية إلى زيادة كبيرة في الأسعار. وينطبق التفسير نفسه على عديد من المنتجات كالملابس والحلويات وأكلات رمضان الخاصة.
إن زيادة الأسعار في أي وقت تنتج عن تغيرات العرض والطلب، ولم يلاحظ أخيراً ولا في معظم السنوات السابقة حدوث تراجع في عرض السلع الرمضانية، ما يبرر زيادة أسعارها. من جهةٍ أخرى، فإن تدفق الأسر إلى الأسواق وازدحامها في رمضان مؤشر قوي على حدوث طفرة كبيرة في الطلب، ويؤكد أن الارتفاع الكبير في الاستهلاك هو المسؤول الأول عن زيادة الأسعار في مواسم رمضان والأعياد، وليس في النقص من المعروض منها.
إن تغير أنماط الاستهلاك في شهر رمضان وفي الأعياد والمواسم في المملكة يحتاج إلى مزيد من الدراسة. ويمكن للجهات المختصة وخصوصاً وزارة التجارة وعلى رأسها وزيرها المتميز والنشط، أن تجري دراسات ميدانية لأنماط الاستهلاك في المواسم التي من ضمنها رمضان، وذلك لتحديد تأثير طفرات الاستهلاك في هذه المواسم على أسعار السلع والخدمات والتعرف على ما يقابلها من تغيرات في تصرفات مزودي السلع والخدمات. وتنفق الأسر السعودية والمقيمة في المملكة مبالغ إضافية من دخولها السنوية على شراء السلع والخدمات في رمضان والأعياد، ولكن لا يعرف بالتحديد حجم التغيرات في الإنفاق، ولا توزيعها على الأسر، أو حسب المناطق الجغرافية، أو الدخل، أو الوضع الاجتماعي، أو العمري، أو التعليمي. ويمكن من خلال هذه الدراسات التعرف على تأثير هذه العوامل في إنفاق الأسر في المواسم، كما يمكن قياس التأثيرات الموسمية في الأسعار وإصدار بيانات تضخم تحد من هذه العوامل.
لقد حثنا ديننا الحنيف على عدم الإسراف، ومع هذا نلاحظ ميل كثير من الأسر في مجتمعنا إلى الإسراف في استهلاك السلع والخدمات، بينما تعاني أسر كثيرة محدودة الدخل من ارتفاع تكاليف الحياة. ويسهم الإسراف في رفع الطلب على السلع والخدمات، مما يدفع بالأسعار ويؤثر سلباً في المحتاجين، ولهذا فإن الترشيد في الاستهلاك بوجه عام وخصوصاً في أوقات المواسم لا يخفض فقط من التكاليف على المتسوقين، ولكنه يساعد المحتاجين أيضاً ويخفض التكاليف التي يتحملونها. وسيمكن ترشيد الاستهلاك المجتمع من خفض تقلبات الأسعار، كما سيساعد الأسر على زيادة ادخارها وممتلكاتها وتنمية دخلها، مما ينعكس إيجاباً على المؤشرات القومية.