رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


في «تويتر» .. شخصيتان

''تويتر'' هذا العالم الافتراضي، يقدم نماذج جميلة جدا -وإن كانت قلة- يمكن أن تصدّر الفائدة والترفيه والخبر والتحليل في شتى الجوانب إلى الآخرين، ويطرح عينات -غالبة للأسف- تنساق في ركاب الدهماء لا تلوي على شيء غير رفع العقيرة بأي شيء وتجاه أي شيء.
.. هل يمكن قياس وعي المجتمع بناء على ما يكتبه أبناؤه في ''تويتر''؟ مصيبة كبيرة إذا كانت الإجابة بـ ''نعم''، ومصيبة أكبر إذا كانت الإجابة بـ ''لا''.
إن كانت الأولى، فما يكتب يمنح المراقب مؤشرا أن الغالبية تسير في طريق خاطئ وتفتقد للعلم والاطلاع وأدبيات الحوار، بل والرغبة في التعلم والاستفادة والإفادة، وإن كانت الثانية فمن هم هؤلاء الذين يكتبون إذا؟ ومن أين أتوا، بل أين هم أبناء مجتمعنا؟
.. لا أشك أن ''تويتر'' يفترض أن يكون قناة مهمة ومتاحة وسهلة، تمنح المشارك فرصة واسعة في الاستثمار وتطوير الذات، ومتابعة الأخبار والترفيه وقياس آراء الناس والاتصال مع كل جغرافية الكوكب البشري، لكن ما يحدث أن غالبية من أتى إليه جاء محملا بتصنيفاته السابقة وانطباعاته المترسخة، فلم يتغير عليه إلا المكان، ولم يستفد من الفرصة في مراجعة الذات والمقارنة وإعادة النظر في الأحكام الماضية.
في ''تويتر'' حيث العالم الافتراضي، ثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن غالبية الشباب السعوديين يعيشون بشخصيتين، واحدة افتراضية يُحب المغرد أن يكون عليها وهو ليس كذلك، وأخرى حقيقية واقعية، وكل من الشخصيتين لهما أدوارهما المفترضة تستدعى في الوقت المطلوب وتتصارعان أحيانا، فلا غرابة أن تجد أحدهم كتب في البايو: ''رجل متصالح مع نفسه والآخرين يحب الله والإسلام ويحترم الأديان والأفكار والناس يدفع السيئة بالحسنة''، وأول رد مارسه هو: يا ليبرالي يا قذر من أنت حتى تعترض على كلام مشايخنا وكبارنا. وآخر كتب: ''إنما الأعمال بالنيات''، بينما كل تفسيراته لتغريدات الآخرين تنطلق من التدخل في نواياهم وتوجيهها إلى سوء المقصد.
هذه الازدواجية في الشخصية، يمكن فهمها بأنها نتاج الوصاية الاجتماعية التي لم تسمح للطفل منذ صغره باتخاذ خياراته الخاصة، بل سيق إلى ما يحب وما لا يحب سوقا. أقرب مثال على ذلك، لو قال الصغير مثلا ببراءة عفوية: ''أنا ما أحب عمي فلان ...''، سيجد تقريعا شديدا من والده ليس أقله: ''عيب .. عيب ما تحب عمك، لا تعودها بس ولا أسمع هالكلام مرة ثانية، عمك لازم تحبه''، في وقت كان من المفترض تشجيعه إلى إعلان رغباته ومشاعره وتفهمها دون وصاية، فربما لديه ما يقنع بكره هذا العم المقدس.
ينشأ الصغير وقد أخفى خياراته الخاصة في مكان قصي لا تصل إليه عيني الوالد ولا سمعه، وتبدأ شخصيته المتخفية في التكوّن بعيدا عن مراقبة الوالدين ومعرفتهما، والأخيرين يراقبان شخصية أخرى تظهر أمامهما.
الشخصية المزدوجة تكبر وتنشأ على التخفي، وتُغذى لاحقا بأساليب التعليم التلقيني في المدارس، التي ترسخ الخيارات المتطابقة في النشء، وتغيب الحوار والنقاش وتؤسس للإقصاء وتنبذ الاختلاف في الرأي، وتسلم للدارس قائمة طويلة مكتوب عليها بحبر سري: هكذا هو المواطن الصالح والرجل الحقيقي. ولا غرابة بعد ذلك، أن تجد في ''تويتر'' من يجتزئ العبارات عن سياقها ويهرول بها منتصرا لتوجهاته، والسواد ينز نزا من تغريداته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي