نفسيَّة..
يعتقد كثير من جماهير الكرة، أن الجاهزية البدنية للاعب كرة القدم هي العامل الرئيس والوحيد في ارتفاع عطائه أو انخفاضه. ويتبارى النقاد والجماهير على حد سواء في توجيه الملامات للاعبين، وتساق نحوهم الاتهامات بخرق الانضباطية متى ما هبطت مستوياتهم فجأة، دون البحث في الأسباب الأخرى المؤثرة في تقلب هذه المستويات.
لا شك أن الجاهزية البدنية عامل مهم، يستند عليه اللاعب في حضوره الفني، لكن هناك عامل لا يقل أهمية، بل ربما يتفوق في مرات كثيرة لدى شريحة كبيرة من اللاعبين وهو الجاهزية النفسية.
تنقسم الجاهزية النفسية للاعبين إلى قسمين، حالة نفسية مرتبطة بالمباراة نفسها، تتحكم في ضبط أعصابه وحماسته ورغبته في الفوز وقدرته على قيادة نفسه وسط تقلبات المواجهة الفنية، وهذه معني بتحضيرها اللاعب نفسه ومدربه ومديره الإداري إضافة إلى عوامل فطرية، وحالة نفسية أخرى تختص باللاعب نفسه وحياته الخاصة، تتداخل معها أيضا بعض العوامل المؤثرة المعني بها النادي نفسه وإدارته.
.. وربط علماء النفس بين الحالة النفسية والسعادة والبهجة وقدرة الأخيرتين على تكوين دافع إيجابي في العمل، يقود إلى النجاح، ما دعا مارتن سليغمان رائد علم النفس إلى وضع ستة مقترحات تؤثر في الحالة النفسية، وتقود متبعها إلى سلوك إيجابي منتج.
ولا يمكن بأي حال، الفصل بين النفسية والعمل، حتى إن الموروثات الشعبية لم تغفل ذلك عن تجربة لا علم، فدرج المجتمع الشعبي على استخدام عبارة "نفسه في راس خشمه"، في تحذير للابتعاد عن صاحب هذه النفسية، وفيه قال المصريون: "بيخاصم دبان وشو"، تعبيرا عن حالة المزاج السيئ.
كرة القدم، عمل جماعي، قد تجهضه هنّة مدافع أو حارس أو زميل آخر دخلوا إلى الملعب بنفسية متردية، لأسباب قد تتعلق بالتقسيم أعلاه للحالة.
البرازيلي رافائيل باستوس لاعب النصر الذي لمع أمام مانشستر يونايتد العريق في "التشامبيونز ليج"، وهزّ شباكه وأجبر السير فيرجسون على الإشادة به في مؤتمر تلا المباراة، قلت له: بدأت بقوة مع النصر، لكنك أصبحت تتثاءب كثيرا في المباريات اللاحقة، ماذا حدث؟
زفر هواءً ساخنا، وقال مختصرا قبل أن يفصل: نفسيتي ليست إيجابية. وتابع الموهوب البرازيلي: أنا أحب كرة القدم، وأستمتع بها، هي كل حياتي، لا أعرف عملا آخر غيرها، أشتاق لها كثيرا، تطربني صيحات الجماهير، وتبث فيَّ روح التحدي. صمت برهة، وملأ رئتيه بالهواء وأطلق السؤال القضية: هل تستطيع أن تكون منتجا ووجه أمك حزينا لا يفارقك؟ لم ينتظر مني إجابة وواصل: عندما وقعت مع النصر، اشتريت لوالدتي منزلا في البرازيل بالتقسيط، على أن أدفع أقساطه شهريا من مرتباتي، ولكن أين هي المرتبات؟ وأكمل: المرتبات في أنديتكم تتأخر، وكل تأخير أدفع معه غرامة في البرازيل. وختم: كيف تريدني أن ألعب بهذه النفسية؟
حالة باستوس النفسية نموذج لكثير من القصص المماثلة التي تعج بها أنديتنا ولا يعرفها الجمهور ولا يتفهمها، ولو أن أحد هذه الجماهير المتعصبة تأخر مرتبه يومين لأصبحت متابعة فريقه المعشوق آخر اهتماماته.
وبما أن الحديث عن النصر، فمن العدل القول إن الأمير فيصل بن تركي قدم عملا محترفا في تحضير فريقه للموسم المقبل بتعاقداته المبكرة محليا وخارجيا، لكنه يظل عملا منقوصا يحتاج إلى توفير جو يساعد على تفجر طاقات لاعبيه، ولن يحدث هذا ما لم تتحول الحالة النفسية السلبية إلى إيجابية. الحديث لفيصل الطموح خاصة، ولكل روؤساء أنديتنا المحترمين عامة.