رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مسؤولية المجتمع تجاه الإسراف في المناسبات

لا شك أن الولائم التي تجمع أفراد المجتمع، خصوصا الأقارب والزملاء والأصدقاء، صورة من سلوك بشري فطري، وهو في حد ذاته إيجابي، حيث إنه يزيد من روابط الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع، ومن التواصل الذي يهدف إلى الترابط بين الأقارب والأصدقاء، فتظهر فيه صور صلة الرحم والترابط الأسري، والتواصل الإيجابي بين الزملاء والأصدقاء، ولا شك أن ثقافتنا الإسلامية تعزز هذا الجانب، فهي تحث على صلة الرحم، وعلى إعلان مناسبات الأفراح والزواج، حيث أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد أصحابه أن يولم ولو بشاة واحدة في مناسبة زواجه، كما أن الكرم خصلة يفتخر بها العرب، وجاءت الرسالة لتؤكد فضلها وأنها من مكارم الأخلاق، إضافة إلى أن الإسلام دعا إلى إجابة الدعوة.
واقع الحال اليوم أننا نرى نوعا من المبالغة في الإعداد للمناسبات، إضافة إلى إحداث مناسبات كثيرة تزيد من حجم الإنفاق الذي لا يمكن أن يوصف بالكرم، بل هو صورة من صور الإسراف، ففي الوقت الذي يكتوي فيه المجتمع بحمى ارتفاع الأسعار، وأن دخل الفرد -رغم الزيادات التي تمت أخيرا- أصبح يتهالك، بسبب كثرة الإنفاق، كما أن حجم القروض الاستهلاكية، خصوصا بطاقات الائتمان والقروض الشخصية زادت خلال الفترة الماضية رغم القيود التي تفرضها مؤسسة النقد على التمويل الاستهلاكي، علما بأن تمويل البنوك يمثل جزءا من صور التمويل، حيث يمارس كثير من مكاتب التقسيط تمويل الأفراد خارج منظومة مؤسسة النقد والبنوك، والإقبال اليوم عليها أصبح يتزايد بشكل كبير، ما يزيد من حجم التمويل الاستهلاكي خارج الحسابات والأرقام.
إضافة إلى المبالغة في الولائم المعروفة، استحدثت مجموعة من المناسبات اليوم لم تكن شائعة من قبل مثل مناسبات التخرج في المدارس، حيث تقام احتفالات في صالات الأفراح للطلاب والطالبات الذين اجتازوا المرحلة الابتدائية للمتوسطة، الذين اجتازوا المرحلة المتوسطة إلى الثانوية، وأيضا الذين اجتازوا المرحلة الثانوية، وهذه المناسبة لم تكن معروفة من قبل، لكن أصبحت شائعة اليوم، خصوصا في المدارس الأهلية، وبدأت بعض المدارس الحكومية بذلك، لكن بتنظيم أقل تكلفة. يضاف إلى ذلك أنه بدأت مجموعة من الإدارات الحكومية والمؤسسات تبالغ في تنظيم بعض المناسبات، مثل المؤتمرات والمحاضرات والندوات، حيث أصبحت تنظم بتكلفة عالية جدا مقارنة بالماضي، الذي كان الإعداد فيه يتم بصورة ميسرة وضيافة بالحد المقبول والمناسب.
بعض هذه المناسبات لو تم حساب التكلفة الإجمالية لها على المنظم والحضور لوجدنا أنها تكلفة هائلة على الأفراد والاقتصاد، وهذه المبالغ في الغالب يخرج كثير منها خارج منظومة الاقتصاد الوطني، فبعض المناسبات في الأفراح قد تصل تكلفتها إلى أكثر من مليون ريال إذا تم حساب تكلفة ما ينفقه المنظم والحضور، وإذا افترضنا وجود ألف مناسبة من هذا النوع فستكون تكلفتها على الاقتصاد تصل إلى مليار، وهذه في غالبها لا تعود للاقتصاد مرة أخرى، حيث إن ما يستهلك فيها من سلع غالبها سلع مستوردة، وما ينفق على القوى العاملة يذهب إلى قوى عاملة من غير المواطنين.
لا شك أن المطالبة بإيقاف مثل هذه المناسبات قد لا يكون مناسبا، خصوصا إذا ما كانت جزءا من ثقافة المجتمع، بل إن بعضها مكتسب من ثقافتنا الإسلامية، لكن من المهم الترشيد في مثل هذه المناسبات، فالهدر الذي يحصل فيها أمر غير مقبول، بل إنه إسراف ممقوت، كما أنه يضر بمجموع الأفراد، إذ إنه يزيد من حالة الطلب على السلع والخدمات في غير حاجة أو ضرورة، وهذا بالتالي يزيد من أسعارها على الفرد، وهذا واضح في أسعار اللحوم والأرز، إضافة إلى تكلفة إيجار قاعات المناسبات والخدمات التي يتطلبها تنظيم المناسبة.
ولعلاج هذه القضية ينبغي أن تكون هناك مسؤولية على عاتق المواطن أولا في الحد من ذلك، كما أن هناك مسؤولية على قدوات ورموز المجتمع من المعلمين والعلماء والدعاة ورجال الأعمال والمسؤولين في النصيحة والتوجيه وأن يكونوا قدوة في أنفسهم، وأن يوجهوا المجتمع إلى الحد من المبالغة في الولائم، كما أنه من المهم أن يكون هناك توجيه للحد من المبالغة في ولائم مناسبات ما يسمى التخرج في مدارس التعليم العام سواء الحكومية أو الأهلية، إضافة إلى أهمية أن يأخذ المسؤولون على عواتقهم الحد من التكلفة المبالغ فيها في المناسبات والملتقيات، إذ إنه وإن ظهر أن تكلفتها محدودة على المؤسسة الحكومية إلا أن تكلفة مجموعها على الاقتصاد والدخل القومي عالية ويمكن توجيهه إلى برامج أنفع للمجتمع.
الخلاصة أن المجتمع اليوم يشهد تحولا في سلوكه الاستهلاكي رغم ما يشهده من الارتفاع في الأسعار وتآكل الدخل ومن المهم العمل على الحد من الإسراف الذي يتم في كثير من المناسبات، وذلك لتخفيف حدة الطلب على السلع الاستهلاكية والتكلفة على الأفراد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي