رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


زواج معلمة ابنتي

لا حديث لابنتي الصغيرة ''ست سنوات'' طوال الأسابيع الماضية سوى زواج معلمتها في المدرسة بمانشستر، كارين.
تتحدث عن حفل زواجها الذي سيقام في آب (أغسطس) المقبل، واللون الذي ستصبغ به شعرها، وأثاث شقتها الجديدة، وأوانيها المنزلية، وأدواتها الكهربائية.
تتكلم عن المقهى الصغير الذي سيحتضن الزواج، الذي افتتحه جدها يوم زواجه بجدتها.
أخبرتنا عن فستانها الذي صممته شقيقتها، وحذائها الذي ابتاعته منذ سنوات خصيصا لهذه المناسبة، التي طال انتظارها.
غمرتني ابنتي بتفاصيل جمة عن زواج معلمتها المرتقب بالسيد والكر. شعرت أنها تروي لي استعدادات زواج صديقتها وليس معلمتها. عشت الترتيبات الخاصة بالزواج لحظة بلحظة عن طريق ما نقلته لي ابنتي عنه بحماسة واهتمام كبيرين.
لقد أثبت لي زواج معلمة ابنتي أن أحد أسرار تفوق الغرب هو تعاملهم مع أطفالهم. يتواصلون معهم كأنهم أقرانهم وليس أقل منهم شأنا وعقلية. تقاسمت هذه المعلمة الثلاثينية تفاصيل زواجها مع طلابها الصغار كأنها تتحدث مع صديقات عمرها. إنه دلالة على التقدير الذي تكنه الذهنية الغربية للأطفال.
يقول بعض العرب: ''أخذ الطفل على قد عقله''، أي أهبط إلى مستوى عقله، غير مدركين أن الصواب أن نجعله يصعد إلينا لا أن نهبط إليه. أن نخاطبه بلغة تحترم ذكاءه وتساعده على تنمية وعيه على نحو أسرع. ببساطة نخاطبه كشخص عاقل واع.
إن من يشاهد حوارات الأجانب مع أبنائهم أو طلابهم سيلمس الفرق بيننا وبينهم. فعلاقتهم تبدو متكافئة، ما انعكس على شخصيات أطفالهم واستقلاليتهم وطموحهم المبكر.
لكن من يتابع الكثير من حواراتنا مع أبنائنا ومعلمينا مع طلابهم سيكتشف أننا اخترعنا لغة جديدة مشوهة عن لغتنا. لها مفرداتها الخاصة وتعابيرها المختلفة التي تعكس عدم احترامنا لعقول صغارنا وعدم استثمارنا لإدراكهم وإمكاناتهم الساكنة التي تحتاج إلى تعامل ذكي يوقظها ويحفزها لتشتعل.
بوسعك أن تعرف أن عربيا يتحدث مع طفل دون أن تشاهدهما، فاللغة والصوت والنغمة تكشف لك ذلك.
يشير الروائي الإنجليزي، تشارلز ديكنز، أحد أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفيكتوري، إلى أن الحوار مع الأطفال ساعده على فهم الكثير في تركيبة الإنسان. يقول: ''لقد تدربت على أيديهم. كلماتهم تفوح منها العبقرية والخيال. لم تتلوث أفكارهم بالخوف والتوجس. كلما استعدت نقاشي معهم انطلقت في الكتابة وتحررت من القيود الوهمية''.
نعتقد دائما أننا نهدر أوقاتنا التي نقضيها مع الأطفال، بينما الحقيقة خلاف ذلك. لقد جزم الكثير من المبدعين أن الأطفال ألهموهم وساعدوهم على استكشاف أفكار جديدة أصيلة إثر حواراتهم معهم. الأطفال يمنحون الكبار انطباعات صافية لم تخدشها السنوات وتعكرها التجارب والأحكام المسبقة. إجابات حافلة بالصدق والسحر.
المجتمعات التي لا تمنح أطفالها الوقت والتقدير، لن يمنحها المستقبل النجاح والعبير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي