لماذا يرفضوننا؟
تصطدم الأندية السعودية في مفاوضاتها مع اللاعبين الأجانب، بعدم رغبتهم في الحضور إلى بلادنا رغم إغراءات وميزات العروض المقدمة على الورق. تفتح باب المفاوضات، وتتلقى موافقة مبدئية تسمح بالسير إلى إتمام العقد، وتُفاجأ لاحقاً بغياب حماسة اللاعب للقدوم، وتعثر المفاوضات، ولذلك أسباب عدة لا علاقة لها بالعرض المقدم.
يمكن تسهيل فهم القصة، بضرب مثال من أنفسنا. عندما يتلقى أحدنا عرض عمل من شركة أجنبية أو محلية ما، فإن أول خطوة في تقييم العرض قبل الإقدام أو الرفض، هي الذهاب لأصدقائه المنتمين للشركة نفسها أو مَن عملوا فيها سابقا، وطرح بعض الاستفهامات.
الأسئلة لا تخرج غالباً عن: كيف هو الجو العام في الشركة؟ هل هي قوية مالياً وتدفع مستحقات موظفيها في مواعيدها؟ مَن هو مديرها؟ وكيف تأهيله ومهنيته؟ كيف هي القوانين العامة للعمل في البلاد، وهل تحمي العامل؟ وهل يسود القانون؟ هل يلقى العاملون رعاية صحية وتعليمية لأُسرهم؟ معايير التفوق والمكافأة في الشركة هل هي عادلة أمام الجميع؟ وهل يسود جوٌ من التسامح فيها يسمح للأقليات بممارسة ثقافاتهم أمام الآخرين دون إقصاء أو سخرية؟
الأسئلة نفسها، يطرحها اللاعبون والمدربون الأجانب على أصدقائهم الذين سبقوهم إلى البلاد، ويتلقون إجابات مختلفة، ونسبة الإجابات بـ "لا"، أظنها الغالبة فلا غرابة في تعثر المفاوضات. أكثر شيء يهتم به العامل في المكان الذي يريد أن ينتمي له عملياً، هو دفع الأجور في أوقاتها المحدّدة، وهو أكثر شيء لا تلتزم به أنديتنا المحلية لأسباب بعضها من صُنعها وأخرى تُعذر فيها. .. بعد ستة أشهر قضاها الأوروجوياني كارينيو مدرب النصر في البلاد، قال لرئيس ناديه: لا نريد أن نفاوض نجماً لامعاً في الموسم المقبل، وتابع: "وفق الإمكانات والأجواء التي رأيتها هنا، لا تستطيع توفير الجو المناسب للنجم العالمي، ولذلك لن يعطي ما عنده فنياً وستكون صفقة تذروها الرياح".
النجم القادم من الملاعب الأوروبية تحديداً، يريد أن تأتيه رسالة على هاتفه المحمول نهاية كل شهر، تفيد بإيداع مرتبه في حسابه المصرفي، لا أن يلاحق مدير الكرة برسائل هاتفية تتوسل دفع مرتبه.
النجم الذي عاش في كنف الفرق الأوروبية أيا كانت بلاده، يرغب في قضاء وقت راحته الأسبوعية مع عائلته في مكان ترفيهي، ناد عائلي، وأن يلقى فيهما خدمات ميسرة، يريد أن يسير في الأسواق التجارية دون أن يراقب الناس، الوشم الذي يفترش ذراعه، والسلسلة التي تتدلى عن رقبته، ولا يرى في أعين المارة نظرات ازدراء ورفض وإقصاء.
قليلون هم من القادمين للعمل في السعودية نجحوا في تكوين علاقات اجتماعية متكافئة ومستديمة، رغم أن السعودي بطبعه مضياف وكريم لمَن يدخل داره، لكنه لا يمارس الدور ذاته بوعي تكاملي ينعكس على صورة المجتمع الكبير، وفي ظني أن فشل القادم الجديد في الانصهار مع التركيبة الاجتماعية سببه أن المجتمع نفسه تسيطر عليه غالبية إقصائية ترفض مَن لا يعتنق ثقافتها، وتمارس تجاهه تقريعاً يخلعه.