حرب المياه .. بدأت نذرها من إفريقيا

منذ تفكيك الاتحاد السوفياتي وإسدال الستار على الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن الماضى، والخبراء يتوقعون أن الحروب القادمة هي حروب على مصادر المياه، وقدّر العلماء أن تندلع أولى حروب المياه في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها منطقة تكتظ بالسكان، وفيها نزاعات حادة على موارد المياه.
ويومذاك توقع العلماء أن تشتعل الحرب الأولى على مصادر المياه بين تركيا من جهة والعراق وسورية من ناحية أخرى، بسبب قيام تركيا ببناء مجموعة من السدود على منابع نهري دجلة والفرات، وهذه السدود مكنت تركيا من التحكم في كميات تدفق المياه إلى سورية والعراق.
ويبدو أن الحرب بين تركيا من جهة والعراق وسورية من جهة أخرى لم تندلع بسبب الغزو الأمريكي للعراق وثورة الربيع العربي في سورية، ولكن نذر الحرب بدأت تلوح من القارة الإفريقية، فقد أعلنت إثيوبيا في الأسبوع الماضي بدء تنفيذ مشروع سد النهضة، وهو المشروع الأهم في سلسلة سدود ستبنيها إثيوبيا عند منابع النيل الأزرق، وسيؤثر سد النهضة تأثيراً سلبياً في حصة مصر من مياه النيل، وما يقلق المصريين أن إسرائيل هي التي ترعى وتمول مشاريع السدود الإثيوبية.
ولقد قدر الخبراء المصريون خسائر مصر من إقامة سد النهضة بفقدانها أكثر من تسعة مليارات متر مكعب من حصة مصر التاريخية في مياه النيل، مما سيؤدي إلى انخفاض المساحات المزروعة وزيادة الفجوة الغذائية، إضافة إلى انخفاض كميات الكهرباء المولدة من السد العالي وخزان أسوان، الأخطر من ذلك أن المصريين يقولون باحتمال أن يتصدع السد بسبب الزلازل، ويؤدي إلى كارثة تغرق السودان وأجزاء من الأراضي المصرية.
وتعاني مصر في الوقت الراهن من انقطاع مستمر في التيار الكهربائى، كما تعاني فجوة غذائية مرشحة لمزيد من حنق الشارع المصري الذي لا يزال يتهم حكومة الرئيس محمد مرسي بعدم القدرة على حل مشاكله اليومية الملحة.
ولكن إثيوبيا ـــ من ناحيتها ـــ تقول إن مشروع سد النهضة لا يؤثر في حصة مصر من مياه النيل، ولكنها ـــ في الوقت نفسه ـــ تطالب مصر بالتوقيع على اتفاقية عنتيبي التي تستهدف إعادة توزيع الحصص على الدول المطلة على نهر النيل، وبالذات حصة مصر والسودان التي تعتبرها تزيد على المعدلات الطبيعية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن السودان الذي كان يقف مع مصر ضد المشروع الإثيوبي تراجع واتخذ موقفاً متوافقاً مع مشروع النهضة الإثيوبي، وقال المسؤولون السودانيون إن مشروع سد النهضة يصب في صالح السودان، وإن السودان لا يعترض على تنفيذ مشروع النهضة.
وفي ضوء هذه التطورات تشهد صوالين النخب المصرية نقاشات حادة ضد مشروع سد النهضة الإثيوبي، وضد حكومة الرئيس مرسي التي لم تتعامل مع هذا الملف بالكفاءة السياسية المطلوبة، وتطالب بعض النخب باستخدام القوة العسكرية، بينما الأغلبية تقول بضرورة استنفاد كل الوسائل السلمية أولاً؛ لأن القوة العسكرية لن تحل هذه المشكلة، ولا سيما أن مصر سبق أن بنت السد العالي الذي وفر لمصر ''وما زال يوفر لها'' كميات كبيرة من المياه والكهرباء، وإذا كانت مصر قد أعطت لنفسها حق بناء السد العالي، فلماذا تمنع إثيوبيا من بناء سد النهضة؟!
كما أن المثقفين المصريين يؤكدون أهمية الحفاظ على علاقات ودية مع إثيوبيا وعلاج هذه المشكلة بالحوار وبكل الوسائل السلمية، وطالبت النخب المصرية بأن يقوم الجانب المصري بالاتصال بالحكومة الإثيوبية من أجل تشكيل إدارة مشتركة تضع أسس حل هذه المشكلة، كما طالبت النخب بالعودة إلى استخدام الدبلوماسية الشعبية، ودفع الكنيسة المصرية إلى لعب دور سياسي من خلال الاتصال بالكنيسة الإثيوبية لإقناع الإدارة الإثيوبية بحل هذه المشكلة بالطرق الودية المشتركة.
بالنسبة للمثقفين المصريين فإن تنفيذ مشروع سد النهضة الإثيوبي يؤكد أن ما يقال من أن دور مصر السياسي في تراجع إنما هو حقيقة واقعة، بدليل أن مصر لم تستطع أن تدافع عن حقوقها المشروعة في مياه النيل، وهذا يعنى ـــ في تقدير المثقفين المصريين ـــ أن هيبة مصر في المنطقة بدأت تتآكل بشكل يفقدها الكثير من النقاط في مجال توازنات القوى في المنطقة.
من جانبهم، فإن أساتذة القانون الدولي في الجامعات المصرية يأخذون على إثيوبيا أنها لم تبلغ مصر بكل تفاصيل مشاريع السدود الأربعة التي تنوي تنفيذها، والقانون الدولي يعطي مصر ''كدولة نيلية'' حق معرفة مشاريع السدود الإثيوبية قبل الشروع في تنفيذها، الأكثر من هذا فإن الجانب الإثيوبي لم يزود مصر بالمعلومات والخرائط التي طلبها الجانب المصرى، بل أمعن الجانب الإثيوبي في إخفاء الكثير من المعلومات عن المشروع الذي يبدو أنه ليس سد النهضة فحسب، بل إن إثيوبيا تنوي تنفيذ العديد من السدود التي تمنحها مكاسب كثيرة لا تحصل عليها باقي الدول المطلة على نهر النيل.
في ضوء هذه التطورات، فإن الأزمة بين مصر وإثيوبيا ما زالت في بداياتها، ولكنها مرشحة لمزيد من التطورات السلبية إذا لم تتعاون الدولتان للوصول إلى مبادئ للتفاهم والاتفاق بما يضمن تحقيق مكاسب لكل الدول المطلة على نهر النيل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي