هل نحن في حاجة إلى وضع حد أدنى للأجور؟
جاء في صحيفة في عددها رقم 7169 ''قدرت دراسة عمالية الحد الأدنى لأجور العمالة الوطنية بنحو 5800 ريال شهريا، اعتمادا على أربعة عوامل رئيسة اعتمدتها الدراسة، وهي احتياجات العُمّال وأسرهم، والمستوى العام للأجور في السعودية، وتكاليف المعيشة وتغيراتها، والعوامل الاقتصادية. وأوصت الدراسة، التي قدّمتها اللجنة الوطنية للجان العُمّالية، في مؤتمر الحوار الاجتماعي، الذي نظمته وزارة العمل لمدة يومين، واختتم أعماله أمس في جدة، بأن تضع الدولة حدا أدنى للأجور في القطاع الخاص، لتلبية احتياجات العُمّال وأسرهم، ولتوفير الحماية الاجتماعية اللازمة، بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين، وأوصت أيضا بمراجعة ودراسة الحد الأدنى للأجور كل سنتين، مع الأخذ في الاعتبار تغيرات تكاليف المعيشة وغير ذلك من الظروف الاقتصادية''.
الحد الأدنى للأجور من القضايا التي أصبحت ذات اهتمام كبير في سوق العمل في المملكة، خصوصا في القطاع الخاص، لأنه بعد العمل على سعودة الوظائف في القطاع الخاص أصبح من المهم العمل على وضع أجر مناسب كحد أدنى للموظف، لكيلا يكون هناك ضرر على المواطن الموظف في القطاع الخاص، خصوصا أنه في وجود منافس من القوى العاملة الأجنبية التي ترضى بمستوى متدنٍ من الأجر الشهري، ستكون الأفضلية لدى القطاع الخاص للقوى العاملة الأجنبية، التي توفر التكلفة للشركات والقطاع الخاص.
مسألة وضع الحد الأدنى للأجور من القضايا التي تتفاوت فيها دول العالم، وتختلف آراء الاقتصاديين فيها، ففي الوقت الذي تفرضها الحكومات، بغرض تحقيق دخل مناسب لشرائح المجتمع المختلفة، نجد أن هناك مَنْ يرى أن قواعد السوق هي مَنْ تحدد الأجر المناسب، بناءً على قاعدة العرض والطلب. وكما هو معلوم أن القطاع الحكومي حسم الأمر بوضع حد أدنى للأجور، لكن بقي الأمر غير محسوم في القطاع الخاص حاليا رغم الارتفاع العام في مستوى الرواتب في هذا القطاع، خصوصا بعد برنامج التوطين الذي تعمل عليه وزارة العمل.
في الوضع الحالي للمملكة هل المناسب أن يوضع حد أدنى للأجور أم أن المناسب أن يخضع الأمر لقواعد العرض والطلب؟ خصوصا أننا نرى اليوم كثيرا من الشباب يحصل على وظائف برواتب مجزية تفوق ما ذكر من الحد الأدنى في التقرير.
فيما يتعلق بسوق العمل المحلية، وفي وجود ملايين من القوى العاملة الأجنبية، التي تمثل تقريبا نصف القوى العاملة في المملكة، هذا العدد الهائل أخل بقواعد المعادلة الاقتصادية، التي تعتمد العرض والطلب، إذ إنه بوجود بعض القوى العاملة الكثيرة التي تقبل بأجر زهيد، لن يتمكن المواطن من إيجاد العمل المناسب له من جهة الدخل، ليس ذلك فقط، بل إنه لن يتمكن من البدء في مشروعه الشخصي في ظل هذه المنافسة المحمومة مع الأجنبي. كما أن سوق العمل في حالة التوطين ما زالت ناشئة، خصوصا أن كثيرا من المؤسسات الصغيرة تدار عمليا بأيدي عاملة أجنبية بسبب التستر الذي يقوم به بعض المواطنين، لذلك فإن هذه القطاعات لا يمكن أن يعول عليها في تحديد الراتب المناسب للمواطن. لذلك من المناسب ألا تخضع عملية تحديد الأجور حاليا إلى عامل العرض والطلب لأن سوق العمل حاليا تعتبر غير عادلة للمواطن في مقابل القوى العاملة الأجنبية التي ترضى وتكتفي بدخل أقل.
لكن من المهم أيضا التوازن في هذا الأمر بحيث لا يضر ذلك بالأنشطة الاقتصادية، فمسألة فرض حد أدنى للأجور مسألة حساسة ولها انعكاسات قد تؤثر في الاقتصاد، ولذلك فإنه من المهم أن يمر الأمر بتجارب تبدأ بوضع الحد الأدنى المقبول ثم تتم الدراسة لاحقا لزيادته، كما أنه من المهم تصنيف الحد الأدنى للرواتب بناء على عوامل من الشهادة والمهارات ونوع الوظائف، كما أن الأفضل أن يكون الحد الأدنى من الأجور بناء على الساعة وليس الشهر، خصوصا في القطاع الخاص الذي قد يوجد فيه تفاوت في ساعات العمل.
الخلاصة أن مسألة وضع حد أدنى للأجور خطوة مهمة حاليا في القطاع الخاص، ومن المهم قبل اتخاذ قرار بها دراسة الحد الأدنى المناسب الذي يحقق مستوى معتدلا للدخل للمواطن، وفي الوقت نفسه لا ينعكس سلبا على نشاط السوق، كما أنه من الأنسب أن يكون الحد الأدنى بناء على أجر ساعة العمل، لا على أساس الراتب الشهري.