التخلي عن الحصص
أعلن مجلس الدولة الصيني أخيرا دفعة جديدة من القيود التي تهدف إلى كبح جماح أسعار العقارات عن طريق كبح الطلب القائم على المضاربة. وتتضمن هذه التدابير فرض قيود أكثر إحكاماً على شراء المساكن من قِبَل غير المحليين في المدن، حيث ترتفع الأسعار بشكل مفرط، وفرض ضريبة معززة بقيمة 20 في المائة على المكاسب الرأسمالية، ودفعات مقدمة إلزامية بنسبة 70 في المائة، وسعر فائدة يبلغ 30 في المائة على قرض الرهن العقاري الثاني.
ورغم أن الجولة السابقة من القيود على قطاع الإسكان، التي تم تنفيذها قبل أقل من عامين، نجحت في تثبيط السوق بشكل مؤقت، فإنها فشلت في كبح ارتفاع أسعار العقارات. وعلى نحو مماثل، ورغم أن التدابير الأخيرة قد تخلف بعض التأثير، فإن تهدئة سوق العقارات المضطربة في الصين ــ التي تعتمد على الائتمان الرخيص ــ ستتطلب في الأمد البعيد معالجة نقاط الضعف الكامنة في السياسة النقدية.
ففي محاولة للسيطرة على المعروض من النقود، استخدم بنك الشعب الصيني لفترة طويلة حصص الائتمان باعتبارها ''واجهة إرشاد'' للبنوك. وتمتد جذور هذه السياسة إلى التخطيط المركزي، الذي أدى قبل ثلاثة عقود من الزمان إلى أسعار منخفضة بشكل مصطنع، وبالتالي نقص الضرورات الأساسية ومدخلات الإنتاج الأساسية، مثل الحبوب والفولاذ. ومع تطور السوق الحرة، نشأ نظام ثنائي للأسعار حيث كان أولئك القادرون على الوصول إلى السلع المخصصة بالحصص يدفعون أقل. ونتيجة لهذا، اضطرت الحكومة إلى منح إعانات دعم ''للخاسرين'' في هذا النظام ــ مثل سكان المناطق الحضرية والشركات المملوكة للدولة ــ إلى أن أزالت استجابات جانب العرض القوية لأسعار السوق المرتفعة الحاجة إلى فرض نظام الحصص على المنتجات المصنعة.
ثم بعد عشرة أعوام، وفي استجابة للأزمة المالية العالمية، خففت الصين القيود على حصص الائتمان وضوابط التخطيط المفروضة على مشاريع البنية الأساسية التي تنفذها الشركات المملوكة للدولة لمصلحة الحكومات المحلية. وبين تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 وحزيران (يونيو) 2009، أصدرت بنوك الصين قروضاً جديدة تتجاوز قيمتها 8,6 تريليون يوان (1,3 تريليون دولار). ونتيجة لهذا، ارتفع معدل نمو الائتمان من 14 في المائة في أيلول (سبتمبر) 2008 إلى 35 في المائة بعد عام واحد، وتضاعفت أسعار العقارات في العديد من المدن.
وعملت أسعار الفائدة المنخفضة بشكل مفرط على توليد قدر كبير من عدم التطابق بين أسعار الإسكان والمعروض المتاح، وذلك لأنها خدمت كإعانات دعم مستترة لهؤلاء القادرين على الاقتراض ــ على سبيل المثال، الأثرياء والشركات المملوكة للدولة ــ الأمر الذي أدى بدوره إلى تحفيز التطلب على العقارات الفاخرة. وفي محاولة للحد من هذا الاتجاه عاد صناع السياسات إلى نظام الحصص كأداة لتنظيم الاقتصاد الكلي، لكن هذه لتنظيم الائتمان في قطاع الإسكان.
ومثل الحصص على المنتجات المصنعة، فإن هذه الحصص الجديدة تعمل على توليد نظام مزدوج لتحديد الأسعار، حيث تستطيع الشركات المملوكة للدولة أن تقترض بأسعار فائدة أقل بشكل كبير مقارنة بالشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تضطر إلى الاعتماد على السوق غير الرسمية بأسعار فائدة تصل إلى 2 في المائة شهريا. لكن إزالة نظام الحصص من أجل السماح للأسعار بالوصول إلى مستويات توازن العرض والطلب في السوق ليس بالخيار المتاح هذه المرة، وذلك نظراً لما تتسم به أسواق العقارات والائتمان المصرفي من التعقيد والمنافسة الشديدة.
هناك ثلاثة عوامل رئيسة تعوق قدرة صناع السياسات على رفع أسعار الفائدة إلى مستويات توازن العرض والطلب في السوق. فأولا، تحولت جماعات المصالح المحلية المستفيدة من تكاليف الإقراض المنخفضة إلى حاجز يحول دون تحريرها. وهناك ''إجماع بديهي'' بين المقترضين ــ في الصين، وأيضاً في الاقتصادات المتقدمة المثقلة بالديون ــ على أن رفع أسعار الفائدة من شأنه أن يقوض نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتشغيل العمالة، وأسعار الأصول.
وثانيا، يزعم كثيرون أن رفع أسعار الفائدة من شأنه أن يؤدي إلى فيض من رؤوس أموال المضاربة من الاقتصادات المتقدمة، حيث العائد المنخفض. ومع عجز بنك الشعب الصيني عن تعقيم هذه التدفقات، فإن الضغوط الصعودية على سعر صرف الرنمينبي من شأنها أن تهدد القدرة التنافسية. وأخيرا، كان الفهم غير الكافي للتضخم البنيوي (نمو أسعار الأصول غير القابلة للتداول) سبباً في توليد اعتقاد زائف مفاده أن الصين قادرة على الحفاظ على مستويات من التضخم واستقرار أسعار صرف مماثلة لتلك في اقتصادات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. نتيجة لهذا، وعلى مدى العقد الماضي، كان هدف السلطات الصينية الضمني للتضخم السنوي وارتفاع قيمة العملة نحو 3 في المائة فقط. ولإدارة الطلب المفرط على الأصول المالية والمادية، فيتعين على زعماء الصين أن يعالجوا سببه الجذري: انخفاض تكاليف رأس المال. والقيام بهذا سيتطلب بعض فرض بعض الضوابط على الحسابات الرأسمالية، مع زيادة أسعار الفائدة إلى مستويات تعادل العرض والطلب في السوق. ومن الواضح أن هذا، وليس فرض حصص غير مستدامة، هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الصين اليوم في مجال السياسة النقدية.
خاص بـ ''الاقتصادية''
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2013.