رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إلى سامي والطلاب وأمهاتهم..

والده عسكري يشتغل في الجيش، كثير التنقل والأسفار تبعا للقلاقل التي تمر بها البلاد آنذاك، ومحارب قديم دافع في صفوف الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية.
ولانشغال الأب وسفره الدائم إلى مناطق النزاع الإفريقي، تولت والدته رعايته مع إخوته الصغار، فتحولت إلى أب وأم وأخ وصديق، يقول عنها في إحدى مقابلاته: "أمي كانت قبيلة من الرجال".
أمضى السنغالي بابا ضيوف سنواته الأولى في تشاد التي ولد فيها، وفيها تعلم بعض الكلمات العربية، فتشاد تقول عنها كتب التاريخ: إنها المكان الجغرافي الأول الذي نشأت فيه مملكة عربية في القرن الثاني الهجري ولا تزال رسوم العرب راسخة في جغرافيتها ولغة أهلها. سنوات الفاقة والعوز عجنت الطفل السنغالي بالصبر، كان الخيال سلاحه النافذ في جدار الصعوبات، يقول: "كل ما تمنيته في حياتي وحققته، كنت قد تخيلته مسبقا". ويواصل: "عندما كنت طفلا كنت أذهب إلى نهر كازامانس، أستلقي على ظهري وأبدأ في نسج مملكة من الخيال".
لا يعرف والده عملا غير العسكرية، فحضّر ولده لخلافته، لكن بابا ضيوف ابن الثامنة عشرة آنذاك هرب من المدرسة العسكرية التي تعد الشبان للانخراط في الجيش، ودخل إلى فرنسا يبحث عن حلم لم يورِّثه أحد له، يبرر ذلك: "غادرت الجيش لأنني تأكدت أني سأقع في التزام لا انفكاك عنه، وأنا أريد أن أكون طائرا يحلق في كل السماوات".
في فرنسا عاش عاميه الأولين متشردا، يشتغل في كل شيء، أكثر عمل استمتع به عندما أصبح عامل توصيل طلبات في مطعم، ومن هذه المهمة تعرّف على بعض اللاعبين الأفارقة الذين يلعبون في الدوري الفرنسي بعد أن أصبحوا زبائن دائمين لمطعمه، دخل إلى عالمهم من الأبواب الخلفية التي لا تمر عبرها الصحافة، قرر أن يكون أحد أعضاء هذا العالم. القرار يحتاج إلى علم ومال وهو لا يملك إلا حلما يغذيه بالخيال، تحول إلى عامل في ميناء مرسيليا لزيادة دخله، وفَّر بعض المال من العمل الجديد والتحق ببرنامج التعليم الفردي، درس فيه عامين، نفد المال فعاد عاملا ليوفر ويعود مرة أخرى حتى أنهى البرنامج بالكامل. والتحق بصحيفة "المرسيلية" ناسخا للمقالات. كل دقيقة فراغ يحصل عليها، يستثمرها بالذهاب إلى القسم الرياضي في الصحيفة، لفت نظر رئيس القسم بتصويباته لمعلومات تتضمنها مقالات الكتاب عن اللاعبين الأفارقة في فرنسا، فاستقطبه.
هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة الفتى السنغالي المكافح، بدأ نجمه في الصعود، استغل علاقاته السابقة عندما كان "ديلفري بوي" مع اللاعبين، أصبحت كل أخبار تنقلاتهم وعقودهم وصفقات الأندية حصرية له وحده. جن جنون رؤساء الأندية، من أين يأتي بالأخبار؟ ولم تُجدِ أي سرية انتهجوها أمام قدرته البارعة في اصطياد الأخبار.
ذات ليلة عشاء فرنسي، كانت أفخم منتجات بوردو الفرنسية تفصل بينه وأحد أصدقائه نجوم الكرة على الطاولة، قال له: كل اللاعبين يثقون بك ويحبونك، لماذا لا تتحول إلى وكيل أعمال لهم، ستنجح. لم يرد، غادر إلى منزله وعاد إلى هوايته في نسج الخيال. في الصباح كتب استقالته وافتتح مكتبا لوكالات اللاعبين، أول لاعبين وقعا معه كان الفرنسيان الإفريقيان الشهيران باسيل بولي وأنطوان بل، وتوالت العقود، مارسيل دوسايي، برنارد لاما، سيلفان أرماند، ديديه دروجبا، وسمير نصري عندما كان في الثالثة عشرة من عمره. أصبح بابا ضيوف هامور الصفقات الكبرى في فرنسا، مفاوضا شرسا، صادقا في وعوده، مصلحة وكلائه فوق كل شيء.
مرة أخرى جن جنون ورؤساء الأندية، واتقاء لشر اعتقدوه، طلبه رئيس مرسيليا للعمل مديرا للكرة في النادي الكبير، بعقد ضخم، وافق وباع شركة وكالة اللاعبين لأحد أصدقائه، لأن النظام لا يسمح بالعمل في الأندية ووكالة اللاعبين معا، بعد أربعة أشهر فقط وفي مطلع عام 2005، أصبح رئيس نادي مرسيليا، ونجح في الخروج به من أزماته المالية والفنية، تعاقد مع البلجيكي إيرك جيرتس مدربا، وكان قريبا من لقب الدوري بعد غياب، لكن نتيجة آخر مباراة خذلته.
بابا ضيوف السنغالي - الفرنسي، الصبي المهاجر الذي عاش مشردا وبنى نفسه بحلم نسجه في خياله، كوّن شعبية هائلة ومخيفة، وأعلن في التاسع من مايو الجاري ترشحه كعمدة لمرسيليا.
أسوق سيرة بابا ضيوف الماتعة في هذا اليوم، لطلابنا الذين يستعدون للامتحانات ويحبون كرة القدم ولأمهاتهم، ولصديقي القديم سامي الجابر، الذي يستعد للدخول في مرحلة جديدة من حياته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي