التفاوت في تعويضات العاملين .. «الحكومي» أكثر 4 مرات
يجري جدل في أوساط بعض المسؤولين والمراقبين حول قضية تدفق العمالة الوطنية بغزارة على القطاعات الحكومية، وسعيها للحصول على وظائف في أجهزة الدولة ومؤسساتها وقبولها البقاء على قوائم الانتظار لفترات قد تمتد لسنوات عدة. ويتساءل الكثير منهم عن المبررات التي تدفع معظم العمالة الوطنية للهث وراء الوظائف الحكومية، وهل تقتصر على توافر الأمان الوظيفي فيها، والحقوق المضمونة، والإجازات الطويلة، وعدد ساعات العمل الأقل، وانخفاض مستويات المحاسبة؟ أم أن السبب الحقيقي هو تجاوز معدلات الأجور في القطاع الحكومي معدلات الأجور في القطاع الخاص؟
ويجري البعض مقارنات غير عادلة بين تعويضات المشتغلين في عدد قليل من الوظائف القيادية في القطاع الخاص ورواتب الوظائف الحكومية بما في ذلك القيادية. ويحصل عدد قليل من العاملين في القطاع الخاص على تعويضات عمل عالية تصل في بعض الأحيان إلى ملايين الريالات في السنة. وتتركز التعويضات المرتفعة في الصف الأول من قيادات كبريات الشركات والمصارف. وتصل تعويضات بعض هؤلاء إلى ملايين الريالات سنوياً، بينما لا تتجاوز رواتب أعلى موظفي الدولة وهم الوزراء 50 ألف ريال في الشهر إلا بقليل.
وتشير بيانات الإحصاء الاقتصادي والبيانات القومية إلى تجاوز إجمالي تعويضات العاملين في القطاع الحكومي بقوة إجمالي تعويضات العاملين في القطاعات الإنتاجية الخاصة، على الرغم من أن حجم العاملين في الدولة أقل بكثير من حجم العاملين في المؤسسات الإنتاجية التي وردت في الإحصاء الاقتصادي. وبلغ إجمالي تعويضات العاملين في القطاع الحكومي نحو 280.9 مليار ريال في عام 2010، حسب البيانات القومية، أما إجمالي تعويضات العاملين في المؤسسات الإنتاجية حسب بيانات الإحصاء الاقتصادي فقد وصل إلى 168.3 مليار ريال. ولا توجد إحصائية دقيقة عن إجمالي العاملين في القطاع الحكومي، لكن تتوافر بيانات عن عدد العاملين المدنيين بمن في ذلك المدرسون الذين قارب عددهم 960 ألف شخص في عام 2010. ويعمل لدى الدولة الكثير من العاملين في المجالات الأمنية والعسكرية ووظائف أخرى قد لا يشملها السلك المدني، والذين لا تتوافر بيانات عن أعدادهم، وهذا أمر مقبول لحساسية بعض البيانات للأمن القومي. وعلى العموم فليس من المتوقع أن يتجاوز عدد العاملين في الدولة المليوني شخص الذين يشكل المواطنون الأغلبية الساحقة منهم، وهذا يعني أن نحو نصف إجمالي المشتغلين السعوديين يعملون لدى الدولة في عام 2010. وإذا سلمنا بأن الحد الأقصى لموظفي الدولة لا يتجاوز مليوني مشتغل، فإن معدل تعويضات العاملين لدى الدولة لن يقل عن 140 ألف ريال للمشتغل الواحد في عام 2010. وفي المقابل بلغ متوسط تعويضات المشتغل الواحد في المؤسسات الإنتاجية للعام نفسه نحو 37.6 ألف ريال في عام 2010. وتشير هذه البيانات إلى أن معدل تعويضات المشتغل لدى الحكومة تصل إلى نحو أربعة أضعاف تعويضات المشتغل في القطاعات الإنتاجية (3.7 مرة). ولو قورنت معدلات تعويضات المشتغلين بالساعة في الدولة بنظيراتها في القطاع الخاص، فإن مضاعف معدل التعويضات الحكومية للتعويضات الخاصة سيزيد على أربع مرات. ويمضي الموظف الحكومي أقل من 1300 ساعة سنوياً في مكان عمله، بينما يمضي موظفو القطاع الخاص ما لا يقل عن ألفي ساعة سنوياً في عمله، وهذا يرفع معدل تعويضات موظف الحكومة في الساعة إلى أكثر من 100 ريال في الساعة، بينما ينخفض معدل تعويضات مشتغلي القطاعات الإنتاجية إلى أقل من 20 ريالا في الساعة. وتبلغ معدلات الأرباح الناتجة عن توظيف مشتغل واحد في القطاعات الإنتاجية غير النفطية نحو 80 ريالا في الساعة، بينما لا ينتج عن الموظف الحكومي أية أرباح، لأن أنشطة الحكومة غير هادفة للربح.
ويثبط تراجع معدلات الأجور في القطاع الخاص مقارنةً بالقطاع الحكومي بشكل عام من رغبة كثير من العمالة الوطنية من العمل في القطاع الخاص. وإذا ما أضيفت معدلات الأجور المرتفعة في القطاع الحكومي إلى المميزات الأخرى للعاملين في الدولة فإن تهافت العمالة الوطنية على الوظائف الحكومية تصرف طبيعي ومتوقع. ويعلم الجميع عدم قدرة القطاع الحكومي على توظيف جميع تدفقات الأيادي العاملة الوطنية المتصاعدة إلى سوق العمل، ما يستدعي تهيئة القطاعات الإنتاجية لتوظيف المواطنين. ويتطلب تشجيع العمالة الوطنية على الالتحاق بالقطاعات الإنتاجية رفع مستويات الأجور. من جهةٍ أخرى سيقود رفع الأجور غير المصاحب بتحسن مماثل في الإنتاجية إلى رفع تكاليف الإنتاج في القطاعات الإنتاجية، الذي سيضغط على معدلات التضخم. وستمرر كل الزيادة في تكاليف العمالة إلى المستهلكين ما لم تكن مستويات المنافسة عالية بين المنتجين، حيث سيتحمل المنتجون بعض التكلفة في حالة ارتفاع المنافسة. ولهذا فإن زيادة مستويات المنافسة مطلب أساسي من مطالب توطين الوظائف، حيث إن انخفاض مستوياتها سيرفع من معدلات التضخم بمعدلات أقوى عند رفع الأجور، ما قد يقلل من الدعم الشعبي لها. ولا تؤثر زيادات أجور موظفي الحكومة في أسعار الخدمات الحكومية لأنها تقدم بالمجان، لكنها ترفع الطلب الكلي على السلع والخدمات، ما قد يتسبب في رفع الأسعار بصورة غير مباشرة. وقد يتذرع الكثير من المنتجين بارتفاع تكاليف الإنتاج في حالة رفع الأجور ويندفعون لرفع الأسعار، فهل نحن على استعداد لقبول ارتفاع معدلات التضخم لتوظيف المزيد من العمالة الوطنية؟ وسيقبل في البداية الكثير من الناس رفع الأسعار مقابل توفير وظائف للأيادي الوطنية، لكن الارتفاع القوي في الأسعار سيزعج الكثير منهم مع مرور الزمن، ما سيقلل من حماس معظم السكان لرفع أجور العاملين في القطاعات الإنتاجية.