لُعبة

كرة القدم التي تحولت إدارتها الفنية والإدارية إلى علم يدرس في الجامعات، ليست لعبة معقدة في التحضير والإعداد، وتتحول كذلك عندما يطلق الحكم صافرته الأولى في أي مواجهة، فتتحكم فيها ظروف لم تكن في الحسبان ولا يمكن التنبؤ بها. ومن ينظرون إلى المدورة المجنونة يعرفون هذه التفاصيل جيدا، ويؤمنون بها ويسلّمون بمعطياتها ومخرجاتها.
ويستخدم اللغويون غالبا مفردة "لعبة" على أي مشاركة لا تخضع لمعايير واضحة، فدرج استخدامها في السياسة والرياضة وابتعد عنها أهل الاختصاص في الاقتصاد لأن كل شيء هناك محسوب وفق معايير محددة لا تسمح بالمفاجآت.
من يدخل إلى أتون أي لعبة، عليه أن يتقبل تقلباتها، وهكذا هم رؤساء الأندية ومدربو الفرق، ولاعبو الهجوم والدفاع وزملاؤهم الآخرون وكل من ينتمي بصلة إلى هذا العالم المجنون، ومن الجنون مطالبة عالم يخضع للجنون بالعقل والواقعية.
وبما أن هذه صفات عالم المدورة الفاتن البراق، فعلى الداخلين فيه، أن يقسموا العمل إلى مرحلتين، الأولى ما قبل اللعبة، وهي المرحلة العلمية التي يمكن السير فيها وفق منهج علمي واضح، ومرحلة اللعبة التي لا يمكن التنبؤ بتقلباتها ونتائجها. المرحلتان متقاطعتان متداخلتان والخطوط الفاصلة بينهما لا يمكن تحديدها بدقة.
والأمر كذلك، فإن السير على الخطة نفسها لطرق الباب نفسه، لن تكون خيارا صحيحا في كل مرة، لأن اللعبة تفرض نفسها في كل مرة بشكل جديد، ومعطيات مختلفة، تذهب أحيانا بالخطى عن الطريق المخطط له.
لعبة كرة القدم، عندما تبدأ في الميدان، أقرب ما تكون إلى النظريات الاجتماعية غير الثابتة، فلا يمكن في العلوم الاجتماعية إخضاع ظاهرتي الزواج والطلاق لأي قاعدة، وكذا الكرة.
أيام فقط تفصلنا عن وداع الموسم الرياضي السعودي، وإذا ما فاز فريق غير الفتح بكأس الملك ستكون البطولات الثلاث توزعت بين ثلاثة فرق، وهذا يدل على تقارب المستويات وليس بالضرورة ارتفاعها.
لكن ماذا بعد ختام الموسم؟ وكيف يمكن للفرق أن تستعد للموسم الجديد، وتتجاوز سلبيات ما مضى في موسم انقضى؟
يراهن رؤساء الأندية السعودية على المال دائما في تحضيراتهم، وإعداد فرقهم، وهو مؤثر كبير، وليس العامل الوحيد، ويهمل أغلب الرؤساء الأفاضل بقية العوامل، إما جهلا بقيمتها، أو ممارسة للتقليدية في العمل والسير في ركاب العامة.
في العام الفائت، فريق مثل جوانزو الصيني، صرف ملايين من اليوروات، في سبيل تكوين فريق ينتزع كأس آسيا، وغادرها على أرضه ووسط جماهيره، أمام ذلك نجح فريق مثل أولسان في الفوز باللقب.
أولسان الكوري لا يملك مال جوانزو، ولا مدربه المونديالي، لكنه يملك نظاما دقيقا، حازما، خضع له الفريق في الإعداد والتحضير، ونجح في بلوغ الهدف، وهو الآن خارج دوري الأبطال، ولم يكسر النظام لأن هناك إيمانا مطلقا بالنهج العلمي، لا يلغي الاعتراف لاحقا بجنون اللعبة.
ليس مهما، أن يكون رئيس النادي رجلا ينفذ طلبات المدرج العاطفية، ويحول السباق في التعاقدات إلى ما يشبه "التنقيط في المسارح الليلية"، وليس من الحكمة أن يتخلى مجلس إدارة ما عن المنهج العلمي في الإدارة والتخطيط لمجرد خسارة ما، ومن العدل أن نؤمن بأن المال مهم، وأن تدبيره أهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي