التباين في تعويضات العاملين
تشير بيانات الإحصاء الاقتصادي لعام 2010 إلى وجود فروقات كبيرة بين متوسطات تعويضات العاملين في القطاعات الاقتصادية المختلفة -وهو أمر متوقع- لكن تلقي الأغلبية الساحقة من العاملين في المؤسسات الإنتاجية أجورا متدنية لن يساعد على توفير وظائف للعمالة الوطنية التي لن ترضى بهذه الأجور المتدنية. وترتفع الأجور في ثمانية قطاعات من القطاعات الاقتصادية الـ 83 التي قسم على أساسها القطاع الإنتاجي في الإحصاء الاقتصادي. وتتجاوز متوسطات تعويضات العاملين في هذه القطاعات المائة ألف ريال للعامل خلال عام 2010. والقطاعات الثمانية مرتفعة الأجر هي: قطاعات استخراج النفط والغاز، المنتجات المكررة، صناعة المواد الكيماوية، إمدادات الغاز والماء والكهرباء، النقل الجوي، الاتصالات، الخدمات المالية، التأمين وإعادة التأمين. وعمل في هذه القطاعات نحو 316 ألف عامل، وصل معدل تعويضاتهم إلى نحو 192 ألف ريال في عام 2010 للعامل الواحد "16 ألف ريال في الشهر". وترتفع نسب السعودة في هذه القطاعات وتحظى هذه القطاعات بإقبال كبير من قبل العمالة الوطنية، لأن الأجور فيها مغرية. وترتفع في هذه القطاعات أيضا معدلات فائض التشغيل للعامل، حيث يتجاوز ثلاثة ملايين للعامل الواحد، وذلك بسبب تركز الاستثمارات الرأسمالية في هذه القطاعات. ويصل مكرر فائض التشغيل إلى تعويضات العامل إلى 16,2 مرة. ونمو هذه القطاعات أمر جيد كما أن دعم نموها من أولويات السياسات الحكومية، لكن مستويات التوظيف المنخفضة، مقارنةً بحجم الاستثمارات الرأسمالية الضخمة المطلوبة في هذه القطاعات لن يساعد كثيرا على توظيف أعداد كبيرة من التدفقات البشرية المستقبلية إلى سوق العمل. ولهذا فإن التركيز كثيرا على دعم هذه القطاعات سيؤثر بصورة محدودة في معدلات البطالة، ولا بد من رفع إمكانات توطين الوظائف في القطاعات الاقتصادية الأخرى لخفض معدلات البطالة بفاعلية أقوى.
وتوجد ثمانية قطاعات أخرى تتوافر فيها فرص إحلال كبيرة لتمتع عامليها بمستويات أجور معقولة ومتوسطة في هذه القطاعات. وهذه القطاعات هي قطاعات صنع الورق ومنتجاته، صناعات المنتجات الصيدلانية، صناعة المنتجات الفلزية، أنشطة البريد، أنشطة البرمجة الحاسوبية، أنشطة خدمات المعلومات، أنشطة المكاتب والأنشطة الاستشارية في مجال الإدارة، الأنشطة المعمارية والهندسية، والاختبارات الفنية والتحليل. وتتراوح الأجور في هذه القطاعات بين 50 و100 ألف ريال في السنة. وسيسهم توفير دعم مناسب ودفع المؤسسات العاملة في هذه القطاعات لرفع أجور العاملين في زيادة مستويات السعودة وخفض بطالة العمالة الوطنية. ويمكن دعم هذه القطاعات بمخصصات أقل من الصناعات كثيفة الاستخدام لرأس المال. وتوظف هذه القطاعات أعدادا قليلة، فقد كان يعمل فيها في عام 2010 نحو 100 ألف عامل فقط، وهناك فرصة لرفع مستويات التوظيف في هذه القطاعات وإن كانت تبدو محدودة. ووصل متوسط تعويضات العاملين في هذه القطاعات إلى نحو 64,4 ألف ريال سنويا في عام الإحصاء، بينما وصلت متوسطات فوائض التشغيل للعامل إلى نحو 180 ألف ريال. وهذا يعني أن بالإمكان رفع مستويات الأجور في هذه القطاعات، لكن مع شيء من الحذر، بحيث لا يؤثر في نمو هذه القطاعات.
أما معظم العمالة في القطاع الإنتاجي المؤسسي البالغة نحو أربعة ملايين عامل فتعمل في مؤسسات تدفع أجورا متدنية. ويصل معدل تعويضات العاملين في المؤسسات منخفضة الأجور إلى نحو 25 ألف ريال في السنة أو 2.1 ألف ريال في الشهر. ويتسبب العامل الواحد في هذه المؤسسات في توريد نحو 97.8 ألف ريال من الأرباح، وبهذا يصل مضاعف فائض التشغيل إلى تعويضات العمالة إلى أقل بقليل من أربعة أضعاف. وتشير هذه النسبة إلى أن بالإمكان رفع الأجور في هذه القطاعات، لكن ببطء وبعد دراسة متعمقة للقطاعات لتجنب إعاقة النمو في بعضها. وسيواجه متخذو القرارات صعوبة كبيرة في رفع مستويات السعودة في هذه القطاعات، إلا إذا تم دعم الأجور مباشرة وبشكل كبير من قبل الدولة. ويمكن توفير دعم مؤقت للأجور لكن من الصعب الاستمرار بدعم الأجور في فترات تراجع الإيرادات الحكومية.
وتحد مستويات الأجور المنخفضة في معظم مؤسسات القطاع الخاص كثيرا من فرص توظيف العمالة الوطنية، ولهذا لا بد من تبني السياسات الداعمة لرفع مستويات الأجور، التي من أبرزها وضع حد أدنى للأجور لكل القوة العاملة الوطنية والأجنبية، وزيادة قدرة العمالة الأجنبية تدريجيا على الحركة. ويمكن تعزيز الأجور من خلال قصر الدعم المقدم للمؤسسات الإنتاجية التي توفر فرصا وظيفية بأجور معقولة لعمالتها. وتقدم الدولة دعما كبيرا على الأصعدة كافة بما في ذلك القروض الميسرة، والحماية الجمركية وتسهيلات استقدام عمالة وأسعار الطاقة المخفضة.