التحليل الجزئي يصوب السياسات العامة
يوفر الإحصاء الاقتصادي الذي قامت به مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في عام 2010، سيلا من البيانات العامة والتفصيلية عن الأنشطة الاقتصادية في المملكة. ووردت في نشرة الإحصاء المنشورة على موقع المصلحة بيانات تفصيلية عن تعويضات العاملين حسب القطاعات الاقتصادية. وتشير هذه البيانات إلى أن إجمالي حجم العمالة في المؤسسات الاقتصادية العاملة في المملكة وصل إلى نحو أربعة ملايين ونصف مليون عامل (4,47 مليون). وتعمل هذه العمالة في مؤسسات بنسبة 79,2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010. ولا يشمل الإحصاء الاقتصادي العاملين في القطاع الحكومي، كما لا يشمل بيانات العمالة المنزلية، والعاملين لأنفسهم.
وبلغ إجمالي تعويضات العمالة في المؤسسات الاقتصادية التي غطاها الإحصاء نحو 168,3 مليار ريال، وتشمل تعويضات العمالة الأجور والمنافع وكل ما تتلقاه العمالة في المؤسسات الإنتاجية. وهذا يعني أن متوسط تعويضات العامل في جميع المؤسسات الإنتاجية في المملكة وصل في عام 2010م إلى نحو 37644 ريالاً، أو 3137 ريالاً في الشهر. من ناحيةٍ أخرى، وصل معدل الربح المحقق من تشغيل العامل الواحد في المؤسسات التي غطاها الإحصاء إلى نحو 312,2 ألف ريال، ما يعني أن مكرر فائض التشغيل إلى متوسط أجر العامل الواحد بلغ نحو 8,3 ضعف في عام 2010. وارتفاع هذا المضاعف أو نسبة فائض التشغيل في القيمة المضافة الإجمالية في الاقتصاد قد يوحي من أول وهلة بأن بالإمكان رفع الأجور بدرجة كبيرة في المؤسسات الإنتاجية، لكن عند التمعن في التفاصيل نجد أن ارتفاع جزء كبير من فائض التشغيل أو الربح في الاقتصاد يعود إلى تأثير نشاط ريعي وهو نشاط استخراج النفط، وهذا يخفض من مجال رفع الأجور. ولهذا لا بد من استبعاد النشاط الريعي الذي يشوه نسبة فائض التشغيل (الربح) في الناتج المحلي الإجمالي. وإذا ما تم استبعاد فائض نشاط استخراج النفط من الأنشطة الاقتصادية، فإن فائض التشغيل للعامل الواحد في القطاع الإنتاجي غير النفطي سيتراجع إلى 138,3 ألف ريال. ونتيجةً لذلك سيتراجع مكرر فائض التشغيل إلى متوسط تعويضات العاملين في باقي المؤسسات الإنتاجية غير النفطية لنحو 4,3 مرة. وهذا المكرر وعلى الرغم من تراجعه الكبير إلا أنه يشير إلى استمرار ارتفاع مساهمة فائض التشغيل في الناتج غير النفطي الذي شكل نحو 81,2 في المائة من القيمة المضافة الإجمالية في ناتج القطاعات التي غطاها الإحصاء ما عدا استخراج النفط.
وارتفاع نسبة فائض التشغيل إلى القيمة المضافة الإجمالية في هذه القطاعات يعطي دلالات بإمكانية نجاح سياسات رفع مستويات الأجور على المستوى الوطني في القطاعات الإنتاجية بدون إحداث طفرات كبيرة في الأسعار. ومع الإقرار بإمكانية رفع الأجور في عدد من القطاعات الاقتصادية إلا أنه ينبغي توخي الحذر عند التعامل مع القطاعات الاقتصادية المختلفة، حيث قد تقود النظرة الكلية للاقتصاد والسياسات العامة التي قد تنتج عنها إلى نتائج سلبية في بعض القطاعات الاقتصادية، فنسب فوائض التشغيل منخفضة في عدد من القطاعات، ما لا يسمح برفع الأجور في هذه القطاعات، ويقود إما لتراجع معدلات النمو في هذه القطاعات أو زيادة تكاليف الإنتاج ودفع معدلات التضخم. ولنأخذ مثلاً معدلات تعويضات الأجور في قطاع إصلاح المعدات والآلات، والتي تشير بيانات الإحصاء إلى أنها منخفضة وتقل عن نحو ألفي ريال للعامل في الشهر، كما تنخفض أيضاً فوائض التشغيل في مؤسسات هذه القطاع للعامل الواحد، حيث تقارب معدلات فوائض الأجور. وستقود أي محاولة لرفع الأجور بقوة في هذا القطاع إلى رفع التكاليف أو الحد من خدماته. وفي المقابل تشير بيانات الإحصاء إلى إمكانية رفع الأجور في عدد كبير من القطاعات من دون المخاطرة برفع الأسعار بدرجة كبيرة، فقطاعا صناعة المنتجات الجلدية والمنسوجات يحققان فوائض تشغيل كبيرة، ويمكن في هذه الحالة رفع الأجور في هذين القطاعين دون المخاطرة برفع كبير في أسعار منتجاتهما. إن تبني سياسات رفع الأجور في القطاعات الاقتصادية يتطلب دراسات تفصيلية لهذه القطاعات، وتصميم معايير استهداف معينة لرفع الأجور في القطاعات الاقتصادية التي تتمتع بفوائض تشغيل كبيرة.
وتبدو السياسات العامة في كثير من الأحيان جميلة وصائبة، لكن تأثيراتها المتباينة في القطاعات الاقتصادية المختلفة قد تتسبب في إلحاق أضرار لم تكن في الحسبان بعدد من القطاعات. وتوافر البيانات والتحليل التفصيلي أو الجزئي كما يسميه الاقتصاديون لصناع القرار صور أوضح عن تأثير السياسات العامة في المتغيرات الاقتصادية، ما يساعد على تصويبها ويحد من أضرارها الجانبية إلى أدنى مستوى ممكن. ويعتبر الإحصاء الاقتصادي وبياناته الخام من أهم مصادر البيانات التفصيلية عن الأنشطة الاقتصادية ليس على المستوى الوطني العام فقط، لكن حتى على مستوى المدن والمحافظات.