المشجعون «الزومبي»
لا يمكن أن تطلب من جماهير الكرة أن تكون متعقلة، ومنطقية، وتتسم بالأحكام العادلة تجاه أي قضية رياضية، فالجمهور عاطفي، تنطلق آراؤه دائما، من القلب إلى القلب ولا تمر بالعقل.
ولا يحفل مشجع الكرة العاشق بأي أرقام وحسابات أو مقارنات، هو يريد أن يفوز فريقه ولا يهمه كيف. وعندما تحدث الهزيمة فكل ما يراه سيئ، وكل ما قدم من عمل كان ناقصا، وإن لم يجد النقص فإنه يخترعه ويبدأ البحث عن ضحية يتعلق بها لإرضاء شغفه الداخلي بمعشوقه.
والعشاق الكرويون هم صورة لكل العشاق في الأرض، قال عنهم المصريون في ثقافتهم الشعبية: "مراية الحب عميا"، وهي مقولة تحاكي كثيرا من أبيات الشعر المأثورة كقول المتنبي:
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها
ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
وأبو الطيب الذي لم يترك طيبا ما نفحه، يفسر جنون العاشق بمعشوقه الذي يحجب العين عن كل عيب ويحوله إلى حُسنٍ خالص منزه عن أي نقص، فيوقف إعمال العقل ويترك السيطرة كاملة للقلب وحده، وفي هذا قال التلمساني:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت
لهم ما لذة العيش إلا للمجانين
وكأن أبو مدين التلمساني هنا سبر الزمان المقبل فوصف عشاق الأهلي السعودي بما يحبون.
وكم ذل فرسان اشتهروا بالشجاعة، للحب، فلم ير عنترة العبسي انتقاصا لنفسه وهو الفارس مضرب المثل في الشجاعة والإقدام، وهو يقول:
ألثم أرضا أنت فيها مقيمة لعل
لهيبي من ثرى الأرض يبرد
عشاق الكرة كذاك، تغيب عقولهم أمام المعشوق، وتتساقط معارفهم وثقافاتهم العلمية والحياتية، إلا أنهم أضافوا جديدا للعشاق وهو مهاجمة المعشوق عندما يقل في وصله، وهذا جنون لم يعرفه تاريخ من سبقهم.
في الهلال ورغم بطولاته المعشبة، يتحول العشاق الزرق إلى مجانين يهاجمون رئيسهم وناديهم ولاعبيهم لمجرد خسارة واحدة لم تخفف حّرتها بطولاتهم المستمرة، في النصر الذي ختم موسمه السادس عشر بلا بطولة محلية، غابت عن العشاق كل المنطقية وحضر جنون العشق فقط، فأصبح كل شيء سيئا وتحول العشاق إلى ما يشبه آكلي اللحوم في السلسلة الأمريكية الشهيرة "زومبي".
من العدل أن نقول إن فيصل بن تركي رئيس النصر قدم جهدا مضاعفا هذا الموسم، تجاوز الكثير من أخطاء البداية، واستدل بالتجارب على الهدى، وتغير كثيرا في قراراته وخطابه الإعلامي وبات أقوى في مواجهة توترات المدرج، لكنه لم يسلم بعد من سهامه الظالمة.
أتفهم عشق الأصفريين لأصفرهم، ولكنهم يبالغون في مهاجمة الرئيس الذي ورث من الفرقة والجحود ما تنوء عن حمله الجمال. أتفهم رغبات العشاق في قلوبهم، وعليهم إن ذهبت الحرَّة وجاءت الفكرة، أن يكونوا عادلين مع الرجل، ويقدموا له شكرا على ما فعل، ونصحا يصل به إلى ما لم يفعل.
أزعم أن فيصل بن تركي لم يخطئ هذا الموسم في تعاقداته الأجنبية، وأن إصابات عبد ربه وايوفي قضّت جهوده، وأزعم أن سوء الحظ وقف ضده مرتين أيضا، وأن ثلة قديمة لا تجد ما تفعل غير التربص به.
في تاريخ الهلال، لم يصنع رؤساؤه فريقا أسطوريا كما صنع عبد الرحمن بن مساعد مع جيرتس، فريق دولي خالص في كل لاعبيه الأجانب والمحليين، فعل كل شيء يومها، رادوي، ويلي، نيفيز، الكوري لي، ونخبة محلية في أوج عطاءاتها، ولا أظن فريقا أزرقا آخر يستحق أن يكون عالميا كذاك الفريق، ورغم هذا غادر آسيا مبكرا، إنها الكرة تخرج لسانها بعبط أحيانا وبلا مبررات مقنعة وكذا هم العشاق، شيء من هذا وذاك.