الاندفاع الجميل

يراسلني شاب منذ عدة شهور، يكتب لي باستمرار عن أطفال أقاربه وهواياتهم وعباراتهم. كان يختتم كل رسالة إلكترونية يبعثها لي بحشود من الأيقونات المبتهجة: ورد، ووجوه مبتسمة، وسحب ممطرة.
لا أتذكر أنه مر أسبوع منذ أن شرع في مراسلتي دون أن يتواصل معي. طلب مني لاحقا رقم هاتفي فتضاعفت الرسائل والصور وحتى الرسومات التي يبعثها. كنت أغبط هذا الشاب "19 عاما" على حماسته ولياقته وروحه المتقدة، راجيا أن أحظى بالقليل منها.
كان يكتب رسائل طويلة جدا. مليئة بالأحداث والصور، وكنت أحاول أن أجاريه لكن أفشل، فلا أملك هذا الجلد والحيوية والاندفاع الجميل. لديه قدرة بارعة في الكتابة والاسترسال والتدفق. في كل مرة أرد فيها على رسالته أجزم أنه سيقلع عن مراسلتي. فأنا لا أمنحه ما يليق باهتمامه وحرصه، بيد أنه يخالف توقعاتي في كل مرة ويعود أكثر سخاء وعطاء وحروفا.
ظل هذا الشاب مصدرا لإلهامي إثر قدرته العظيمة على التواصل بهذه الحميمية والغزارة. لم أتعامل في حياتي مع شخص بهذا القدر من الكرم في التواصل كما يفعل. رسائله المثيرة والغفيرة جعلتني أحمله معي أينما أذهب. أتحدث عنه عند العديد من الأصدقاء. كان لدى كل منهم تفسيرات مختلفة حول شخصيته، لكنها كلها تجمع على أنه شاب غض يعيش حياة هانئة، خالية من المنغصات لم تعكرها المشاكل، وسيتوقف عن هذا العز فريثما يكبر قليلا وتزداد مسؤولياته وتباغته هموم الحياة. لكن لم تصدق نبوءة أصدقائي، فلقد استمر في الهطول بغزارة.
وفي أحد الأيام فاجأني صاحبي برسالة عنونها بـ "اعتذار"، وكتب في جسدها أنه يعتذر عن غيابه القسري عن مراسلتي الأسبوع الماضي. وكشف خلالها النقاب لأول مرة عن معاناته المزمنة مع مرضي القلب والكلى، واضطراره للبقاء في المستشفى تحت الملاحظة الطبية طوال ستة أيام. ووعدني أن يستأنف ركض أصابعه على لوحة المفاتيح وشيكا بعد أن يتحرر قليلا من الأجهزة والأسلاك التي تربطه بالسرير وتقيده. يقول: "أحب أن أكتب. الكتابة تمنحني طاقة كبيرة. أرجو أن أعود أكتب مثلما سبق أو أكثر بسرعة. ادع لي".
دعوت له بالشفاء العاجل، لكن ظللت أقرع نفسي لأني توهمت في لحظة من اللحظات أنه مجرد شاب مراهق خال من الهموم. ندمت كثيرا لأنني رسمت عنه انطباعا سطحيا بسبب مجرد رسائل كتبها وصور بعثها.
معظمنا يخطئ في رسم صور خيالية لأشخاص بناء على رسائل خطوها أو تغريدات كتبوها أو صور التقطوها. قد تكون هذا الرسائل والتغريدات والصور هي الشكل الذي يتمنون أن تكون حياتهم عليه وليس الذي يعيشونه.
قدم لي صاحبي درسا في ألا أفرط في رسم صور عن الآخرين قبل أن أتعرف عليهم من كثب. وكما قال الشاعر: "لا تحسبنّ رقصي بينكم طربا.. فالطير يرقص مذبوحا من الألم".
لكن تعلمت من صديقي أيضا درسا أبلغ يتجسد في أن أكثرنا معاناة هم أكثرنا ابتهاجا بالحياة. فهم ينغمسون في الأشياء من حولنا بينما نتصفحها. يتذوقونها بينما نتجادل حولها. وهبتهم الآلام مناعة ضد الهموم الصغيرة التي تستنزفنا والمظاهر التي تخدعنا. انشغلنا بالانطباعات وانشغلوا بالابتسامات.
إذا أردنا أن نستمتع علينا أن نتحلى بالاندفاع الجميل الذي ننتصر فيه لعفويتنا وما نحب. هذا الاندفاع يحتم علينا أن نلاحق تلقائيتنا ونمضي قدما. الهموم تجرك إلى الخلف، والشغف يقودك إلى الأمام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي