رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحياة الثانية

"لم أتمالك نفسي من الذهول وأنا أطير بين بنايات نيويورك وأكاد أصطدم بإحداها فأصرخ من الخوف، ثم أمر بينها بكل براعة. ولم أستطع أن أقنع نفسي أن هذا ليس واقعاً حقيقياً"، هذا ما قاله أحد الذين انتقلوا إلى الحياة الأخرى.
فمن داخل غرفة مريحة ومكيفة تستطيع تحقيق جميع أحلامك فتطير في الفضاء بين النجوم أو تتجوّل داخل أدغال إفريقيا أو في طرقات مدينة تاريخية طمرت تحت الأرض، وذلك عندما تلتقي التكنولوجيا الذكية مع الواقع ليُشكِلا عالماً جديداً ساحراً، تتحوّل فيه من إنسان حقيقي إلى شخص افتراضي "أفاتار" وعن طريقه تستطيع تحقيق أحلامك من شراء أرض تُشيد عليها منزل أحلامك أو تُكمل تعليمك في إحدى الجامعات أو المعاهد العالمية أو قد تشارك في مؤتمرات دولية كمتحدث مع أكبر الشخصيات العالمية أو تؤسِّس شركتك وتستثمر أموالك.
هذا العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد أسَّسه "فيليب روزديل" عام 1999 وأطلقه للوجود عام 2003 تحت مسمى "الحياة الثانية" جواز عبورك إليها نظارة وقفازان، لقد وصل عدد سكانها إلى أكثر من 23 مليون نسمة، وبلغ عدد المشاركين في فترة الذروة مليون شخص من أكثر من 100 دولة حول العالم عام 2011 فسكانها يزدادون بالدقيقة، نظرا لما توفره لساكنيها من راحة وتعليم "فيها أكثر من 300 جامعة عالمية سواء اشتركت هي رسمياً أو أنشأها أشخاصٌ متطوعون، وأول جامعة عربية فيها كانت جامعة الملك سعود".
وما يميز هذه الحياة عن غيرها عدم وجود أهداف يجب أن تحققها ولا مستويات تبلغها لتنتقل إلى مرحلة أخرى، بل تمارس حياتك العادية وبكل جدية، لدرجة أن بعض الدول افتتحت بها سفارات وكان أولها سفارة المالديف تبعتها السويد التي افتتح سفارتها نائب الرئيس كارل بيت، كما افتتحت وكالات أنباء عالمية مثل "رويترز" والـ "بي بي سي" مكاتب وعيّنت مراسلين! حتى الشركات الكبرى مثل "تويوتا" و"سوني" و"أديداس" وبعض دور الأزياء تجدها هناك، وبإمكانك التعريف بثقافتك ولغتك ودينك فقد اشترى موقع "إسلام أون لاين" جزيرة وشيد فيها نموذجاً للحرمين لتعريف المسلمين على مناسكهم كما أعدوا أول خيمة رمضانية بكل تفاصيلها!
وهناك تستطيع أن تكتشف وتخترع وتصمم وتعيد ترتيب أثاث منزلك ومن ثم تنقل الفكرة إلى أرض الواقع بأقل جهد!
ولكن العلماء والباحثين لم يتركوا هذه التقنية للتسلية والترفيه، كما هو شائع، بل سعوا لتحويلها إلى شيء آخر يساعدك على تحسين واقعك وليس الانفصال عنه، لقد استخدموا هذا العالم ثلاثي الأبعاد لفصل عقلك عن جسدك، فجسدك هنا وعقلك وكل حواسك هناك، بهدف تخفيف الألم وعلاج الإدمان أو الإقلاع عن التدخين cybertherapy، وكذلك علاج رهاب الأماكن الضيقة والمرتفعات أما أحدث تطبيقاتها فهو علاج السمنة، حيث عملت دراسة مقارنة بين من خاضوا التجربة مع مجموعة حقيقية وآخرين مع مجموعة افتراضية ووجدوا أن أوزانهم نقصت بالنسبة نفسها، لكن أصحاب المجموعة الافتراضية استطاعوا المحافظة على أوزانهم الجديدة بعكس الآخرين.
وأول من استخدمها للعلاج وكالة "مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة" التابعة للبنتاجون لمساعدة الجنود الأمريكان المصابين بعد حرب الخليج الثانية، وذلك بصُنع مدينة عراقية افتراضية مكّنت 16 من 20 جندياً شاركوا في التجربة من تجاوز مشكلاتهم، فالعقل يدرك كل ما يسمعه ويراه في تلك الحياة ويتأثر بها واقعه، وأكبر دليل على ذلك تدريب الطيارين والمظليين الذي يتم داخل كبائن افتراضية وبعدها يصبحون قادرين على تطبيقها في الواقع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي