زوجوهم وزيدوا عليهم
الساعة التاسعة صباحاً، وكنا نهم بالخروج من الفندق الذي نسكنه في عاصمة دولة إسلامية. خرج عريسان واتجها نحو سيارة تنتظرهما خارج الفندق. صوت الأغاني والتبريكات يسيطر على المكان و الأطفال يتسابقون لالتقاط الصور معهما، ابتسامات وتهانٍ من قبل الجميع. بدافع الفضول ــــ سألت ''أم العيال'' عن القصة، فأخبروها بأن العروسان متجهان إلى حيث يقام حفل عائلي بمناسبة الزواج. استغربت ''طويلة العمر'' كيف يكون الزواج في هذه ''الصبحية''، لكن أحد الواقفين أكد أن هذا هو العرف السائد.
ينتهي الحفل في 12 ظهراً بمأدبة يمكن القول إنها أصغر مما يقدمه أحدنا لضيف عادي يأتيه لمراجعة معاملة أو حضور موعد مستشفى. رجعت لتصنيف البنك الدولي لدخل الفرد في تلك الدولة فوجدته قريباً من تصنيف المملكة، الفرق المهم هو أن عدد الأبناء في الأسرة هناك لا يتجاوز الثلاثة، بينما المعدل لدينا هو خمسة أطفال لكل أسرة.
تابعت وغيري الكثير القرارات التي صدرت أخيرا في الإمارات والتي تهدف إلى ضمان وقف الإسراف الحاصل في حفلات الزفاف، وهو ما يعود بالفائدة مستقبلاً على العروسين من ناحية ضمان بدء حياتهما في وضع اقتصادي إيجابي. القرارات شملت تشجيع الزواج المشترك، بل ومنع إقامة حفل زفاف فردي، هذا يتولى خفض 50 في المائة على الأقل من تكلفة الحفل.
تشمل القرارات تحديد أوقات معينة لإقامة الأفراح، حيث يكون حفل الرجال من الساعة الرابعة إلى السادسة مساءً، ويكون حفل النساء من الساعة السابعة إلى العاشرة مساءً، ودون ولائم. إجراء كهذا يوفر على العريس مبلغا يصل إلى 300 ألف درهم. كانت تكلفة الولائم عالية وفي ازدياد، والكل يشكو دون أن يمسك أحد بزمام المبادرة. عندما قرر الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي أن يتولى الأمر وجد الترحيب من شيوخ القبائل والمواطنين ويذكر أن الالتزام كان بنسبة 100 في المائة.
استفاد الإماراتيون من تلك القرارات في حماية المجتمع، والتخلص من ظاهرة توجه الشباب للزواج من أجنبيات، إضافة لتمكين الأسر من التخلص من الديون والقروض التي تنهكها اقتصادياً منذ بداية الزواج.
أذكر أننا في المملكة سمعنا عن كثير من القرارات والمبادرات التي تبناها أمراء ومسؤولون وأشخاص من كبار القوم، ونسمع بالحماس لتنفيذ هذه المبادرات في البداية، لكننا نفاجأ بأن الالتزام منخفض جداً، بل ومعدوم في كثير من الأحيان. من تلك المبادرات تحديد أوقات لنهاية حفل الزفاف، ودعم الزيجات الجماعية، وخفض مبالغ المهور التي وصلت حدوداً مبالغاً بها للغاية.
يواجه الشباب تحديات مختلفة، خصوصاً أن بناء أسرة اليوم مكلف جداً بالنظر لارتفاع تكاليف الإيجار، ومتطلبات الأسرة المعيشية الأخرى. هذا في بدايات الزواج، فإذا أضيف إليها تكاليف التعليم والصحة للأبناء في المراحل المتوسطة من حياة الأسرة فإن المشاكل ستتراكم وتضطر معها الأسرة إلى البقاء تحت رحمة المصارف، وقد بلغت نسبة المقترضين من المصارف في المملكة 80 في المائة خلال عام 2011.
بلغ الوضع اليوم في المملكة حالاً من السوء ارتفع فيه سن الزواج وارتفعت معه العنوسة، وهي قضايا لا بد من مواجهتها. وطفت على السطح قضايا تخص الأسر التي تتكون من أب وأم من جنسيتين مختلفتين، إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق وهي قضايا مهمة سببها ـــ في كثير من الأحيان ـــ الصعوبات التي يواجهها الزوجان بسبب الوضع الاقتصادي غير المريح. مساهمات الوضع الاجتماعي والنفسي للزوجين بالتوازي مع المشاكل المالية، تكوِّن ــــ في مجموعها ــــ عوامل ضغط وتسهم في فشل الزواج.
يهمني في هذا المقال أن أطالب بحلول عملية تطبق فوراً لإصلاح الوضع بما يضمن نجاح الحياة الزوجية. الحلول التي تبنتها الإمارات ممتازة وقابلة للتطبيق في المملكة. نحتاج إلى دعم شيوخ القبائل وكبار الأسر ومسؤولي المناطق كالأمراء والمحافظين ومن في حكمهم.
تحديد وقت للزواج لا يتجاوز العاشرة مساءً يمكن أن يسهم في خفض تكاليف كثيرة، منها تكاليف الوجبة والحلويات والأغاني وما في حكمها. يمكن في هذا الإطار أن تتبنى كل قبيلة وحي ومركز جمع زيجات أبنائها في ليلة واحدة يدفع جميع أفراد القبيلة أو الحي أو المحافظة تكاليفها، حيث تكون حفلات استقبال بسيطة لا تكلُّف فيها.
ينطبق الإجراء نفسه على قضية مهمة أخرى وهي قضية المهور، وأقترح ألا يتجاوز عشرة آلاف ريال بأي حال. التكاليف التي يتحملها الشاب تتجاوز 100 ريال اليوم، وهو مبلغ لا يمكن أن يجمعه الشاب الموظف حديثاً إلا بعد أن يمضي مالا يقل عن خمس سنوات في الوظيفة. لتأخر لسن الزواج أثره في الشاب والفتاة خصوصاً فيما يتعلق بالنواحي النفسية أو حتى ''البيولوجية'' للزوجة عندما تنجب في سن متأخرة.
من أسوأ نتائج هذه التحديات عزوف الشباب عن الزواج، والسفر للخارج، وممارسة سلوكيات خطرة داخل أو خارج الوطن، وهي أمور قد لا يتمكن الفرد من تجاوزها حتى وإن تزوج في مرحلة لاحقة من حياته، يزيد من هذه المشاكل انتشار الاحتكاك بين الشباب والفتيات في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤثر في فرص الفتيات في الزواج، خصوصاً من يقعن تحت تأثير العلاقات العاطفية التي أساسها الغش والتلاعب من قبل شباب لا يتجاوز اهتمامهم استغلال براءة وبساطة تفكير كثير من بناتنا.