رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ممكن أتعرف!

أبصم أن مواقع التواصل الاجتماعي تعكس لمن يراقبها صورة واضحة للمجتمع كله. توضح المخاوف التي يعيشها الناس. وتنقل الخلافات السائدة في القضايا والطبقات الاجتماعية. تسهم كذلك في التعريف بأفكار ومفاهيم المجتمع وحجم الاختلاف بين مكوناته. تكشف التوجهات السياسية وتوحي بردود الأفعال التي يمكن أن نتوقعها لقرار أو توجُّه معين. يمكن أن أقول بعد هذا كله، وما أشاهده في هذه المواقع، إن مجتمعنا يواجه كثيرا من المخاطر التي لا بد من الالتفات إليها من قبل مؤسسات الدولة والمجتمع، وقنوات السيطرة على الفكر الجمعي كالمساجد والمدارس وأصحاب الحضور الجماهيري، خصوصاً في هذا المنبر الكبير.
تسيطر الأسماء المستعارة على مواقع التواصل في الإنترنت والهواتف ''الذكية''، هنا قضية اجتماعية مهمة. فهذه مجموعة من الإشكاليات التي صنعتها التركيبة الكبرى للمجتمع وهي الدولة والمنطقة، وتلك المتوسطة كالجامعة والمدرسة والحي والصغرى وهي الأسرة. القضية الاجتماعية في الهرب من استخدام الاسم الحقيقي هي ''الجبن''. نعم، مجتمع ينتشر فيه الجبن بشكل غير مفهوم، هذا الكم الكبير من الخوف يعود إلى أسباب، منها:
ــــ الموروث الاجتماعي: وهو واحد من أهم دوافع الخوف. المجتمع الذي يطالبنا بشكل ومنطق معينين يتوقع منا أن نكون على هذا الحال في كل أمورنا، حتى وإن كان هذا يخالف الواقع؛ فالفرد يتصرف بما يُملي عليه مجتمعه. ترى الشخص يركب سيارة لا تتناسب مع دخله، ويسافر على رغم محدودية إمكاناته، ويقيم الولائم ويستقبل الضيوف على رغم أنه لا يستطيع أن يوفر البسيط من احتياجات منزله وأسرته الصغيرة. مفاهيم مثل اسم العائلة وتاريخها هي دوافع تنتج هذا الخوف، حيث لا يستطيع الفرد أن يواجه واقعه.
ــــ العيب وما أدراك ما العيب، تضع كل فئة اجتماعية أو تركيبة في مكان معين مجموعة من القواعد السلوكية التي يعتبر الخروج عليها عيباً. فالمرأة لا تظهر باسمها الحقيقي في مواقع التواصل لأنه ''عيب''، والأب لا يشارك في مجموعات أبنائه لأنه ''عيب''، والكل يحتفظ بأرقام سرية لأجهزته ومجموعاته لأنه يرتكب ما يعتبر عيباً ــــ من مفهوم مجتمعه ــــ فيها. يمكن القول إن هناك كماً من الفرقة في مكونات المجتمع وبعداً عن التفاعل الإيجابي سببه عدم القناعة بمفاهيم العيب أو الرغبة في كسرها سراً.
ــــ يأتي رفض التغيير الاجتماعي الهائل سببا مهما في الهرب من الواقع. فالمجتمع المفتوح ذات يوم أصبح كل عضو فيه عبارة عن كم كبير من ''الأسرار وكلمات السر''. يستمر الوالدان في محاولة تركيب صورة معينة لأبنائهما وبناتهما لا تخلو من المثالية، بل ويروجان لها ضمن الأسرة الكبيرة، فيضطر الأبناء إلى تكوين شخصيات بعيدة كل البعد عن الواقع الذي يحاول أولياء الأمور فرضه عليهما، لكن بعيداً عن أعينهم.
ــــ التمرد على المجتمع واحد من أهم أسباب تكوين الشخصيات الجبانة التي تملأ شاشات أجهزتنا اليوم. عندما تكون مجموعة القيم التي يطالب المجتمع أعضاءه بتبنيها والالتزام بها غير مقنعة للشخص، فإنه يتحول إلى متمرد. هذا التمرد يكون صريحاً في الحالات الإيجابية ''إلى حد ما''، ويتحول إلى تمرد جبان من خلال اسم ''كودي''. قيم المجتمع تكون في العادة منطقية ومعقولة، لكن أساليب ترسيخها في النفس البشرية تؤسس للتمرد، لأسباب منها: رفض الاختلاف أو انعدام القناعة أو عدم التزام مجموعة ''القدوة'' بها.
ــــ تأتي المخاوف من عواقب ما يقال في أعلى أسباب ظهور هذه الحالة لدى الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. عواقب قد تكون جنائية أو اجتماعية أو وظيفية تشغل بال كل من يحاول أن يتعدى حدود معينة للتعامل مع الآخرين. على أن من المهم أن نذكر أنه كلما ارتقى مستوى الوعي والثقافة، كلما كانت لدى الشخص الفرصة لتقديم رؤاه بشكل يحميه من الكثير من ردود الأفعال السلبية.
ــــ لا يمكن أن نتجاوز سبباً يؤثر في كثير من مستخدمي هذه المواقع وهو قناعتهم بأنهم يفعلون أمراً غير محمود. هذه المشكلة التي يعانيها الكثير في مجتمعنا هي سبب ظهور مجموعة القبعات التي يرتديها الشخص في أماكن مختلفة. فللبيت أسلوب ومنهجية في التعامل وفي المكتب أسلوب آخر ومع الزملاء أسلوب ثالث وفي مواقع التواصل قد تظهر صورة مختلفة تماماً. انتشار هذه الحالة بنسب عالية يدل على وجود كم هائل من المشاكل النفسية والاجتماعية التي لا بد أن يواجهها الشخص ويتعامل معها بمنطق وعقلانية. أذكر في هذا الإطار ذلك القس الذي كان يمارس الدعارة من خلال مواقع الإنترنت، وآخر كان يقوم بـ''القوادة'' على الأطفال، وهما صورتان شاذتان، لكن وجودهما غير مستبعد.
كتبت هذا المقال بعد أن فوجئت بشخصين يطلبان التعرف علي من خلال حسابي في ''فيسبوك''. أتلقى كثيرا من طلبات الصداقة لأشخاص لا أعرفهم، ويكون بيننا تواصل أحياناً عند طلب أحدهم الكتابة في موضوع معين. الأول كان مصراً على معرفتي، وبعد أن دخلت معه في محادثة في الموقع، ذكر لي أنه يرغب في شخص يبث إليه همومه ومشاكله والصعوبات التي يواجهها، فعرضت عليه أن أعطيه رقم طبيب نفسي، لكنه كشف لي عن رغبته في ''حضن حنون''، وهذا ما جعلني ''أنفد بجلدي''. الآخر كان له التوجه نفسه، لكنه أوضح ما يريد فوراً. عندما ذكرت القصتين لصديق، أكد لي أنني محظوظ؛ وذلك لأن اسمي ظاهر على الموقع، فكثير من هؤلاء يفضلون التعامل مع أسماء رمزية على شاكلتهم.
لكنه دفعني إلى التفكير في الحال التي يعيشها شبابنا وفتياتنا بسبب بعدهم عن حضن أسرهم الدافئ الذي يحميهم من الضياع والسقوط في الرذيلة، وتبقى مسؤولية الوالدين أن يوفرا تلك الحماية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي