ليست دعوة للتعصب.. ولكن..!
في كل مرة كنت أقول رأيي: إن الوطن لا يمثله إلا المنتخب، والمنتخب فقط، أواجه بأصوات لا تزال تمارس الوصاية على الجماهير، وتلتحف برداء مثالية زائف، تريد أن تلبسه الآخرين وتقودها إلى وطنية كاذبة غير حقيقية.
أغلب رؤساء الأندية وأصحاب القرار، لا يقولون الحقيقة أمام الجماهير، عندما يتمنون فوز فريق سعودي أمام أجنبي، وكل ما يفعلونه هو تمثيل يظهر شخصية براقة أمام محبي النادي ذاته، أملا في الاستفادة من المثالية ذاتها إن وضعوا في الموقف نفسه لاحقا.
في عام 2005، انتزع ليفربول لقب دوري أبطال أوروبا من أمام ميلان الإيطالي، بعد مباراة عظيمة لا تنسى، انتهى الوقت الأصلي فيها بالتعادل بثلاثة لمثلها، واحتكم الفريقان للترجيحيات وانتصر الفريق الإنجليزي، في اليوم التالي خرج الإنجليزي واين روني لاعب مان يونايتد الإنجليزي أيضا في تصريحه الشهير: هذه أسوأ ليلة في حياتي. ومان يونايتد الذي يلعب له روني آنذاك ليس منافس ليفربول التاريخي، لكن روني هو ابن إيفرتون في الأصل، وبين ليفربول وإيفرتون ما صنع الحداد وما لم يصنع، وما قاله النصراويون والهلاليون لبعضهم وما لم يقولوه.
في إيطاليا رفع أنصار روما العلم الإسرائيلي، قابلهم النصف الآخر من جماهير المدينة نفسها وهم أنصار لاتسيو برفع لافتة كبيرة تطالب بتحرير فلسطين من المحتلين. وعندما خسر مان يونايتد نهائي أوروبا قبل عامين أمام برشلونة، ذهب جيرارد ورفاقه لاعبو ليفربول إلى ''بار'' واحتفلوا بخسارة مواطنهم والتقطت عدسات التصوير جيرارد، وهو يشير بخمسة أي بطولات الأحمر الأوروبية الخمس التي لم يصل لها مانشستر.
تشجيع الكرة فنون وجنون، وأكثر موقف ضحكت منه وكل ما تذكرته أضحك.. وأضحك وكأني عرفته للتو، هو ما فعلته جماهير ميلوول الإنجليزي ند ويستهام، والأخير كان يلعب مباراته الأخيرة في الدوري الأقوى في العالم وقد تأكد هبوطه للدرجة الأدنى، بين الشوطين ظهرت طائرة صغيرة تطوف سماء الملعب وعلقت فيها لافتة مزينة بوجوه تبتسم بسخرية وكتب عليها: ''عمل جيد إفرام جرانت'' وجرانت هو الإسرائيلي الذي كان يدرب ويستهام آنذاك، في المساء اعترفت جماهير ميلوول عبر موقعهم على إنترنت أنهم استأجروا الطائرة الصغيرة للسخرية من ويستهام منافسهم التاريخي في المدينة ذاتها وفرحة بهبوطه.
أعرف لاعبين في الإمارات لا يتمنون فوز العين على الهلال السعودي هذا الأسبوع، سألت أحدهم البارحة: لماذا؟ أليس العين فريق بلادكم ويمثلكم؟ أجاب: لا الأبيض فقط هو فريق بلادنا، العين منافسنا ولا أتمنى أن يفوز ويتقدم علينا أكثر. مرة كنت في الكويت، كان القادسية يلعب مباراة خارجية والجلسة تضم لاعبين من السالمية والكويت والعربي، كلهم كانوا يتفاعلون مع الفريق غير الكويتي قلت لهم: لماذا؟ أجاب أحدهم والبقية موافقون بصمتهم: يا معود منافسنا تبي نشجعه بعد.. أنت شنو تحكي، ورفع صوته: الكويت يمثلها الأزرق فقط.
مهم أن نتفهم جنون الجماهير وعشقها لفرقها، ومضيعة للوقت محاولة حقنهم بالمثاليات، والأجدى التعامل معهم كما هم، والاعتراف بالسلبيات والإيجابيات، وفي كل معاملاتنا من الحكمة أن نذكر دائما أن ''الملائكة لا تسكن الأرض''.
ولأننا عندما نقول الحقيقة مهما كانت مُرَّةً للجماهير، فإننا نترك لهم حق الاختيار، ويشبون بشخصيات سليمة لا تعرف التمثيل، وعندما نمارس أمامهم التمثيل فلا غرابة أن يشبوا بشخصيتين منفصمتين، واحدة يستخدمونها أمام الناس وأخرى يستدعونها متى أرادوا. وهذا سينعكس على المجتمع الكبير غير الرياضي.