رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الماراثون .. والانتقام

عندما وقع انفجار المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما عام 1995، تسابقت قنوات التلفزيون الأمريكية على البحث عن عربي لتلبيسه التهمة، أذكر أن كل من كان يغادر المطارات الأمريكية من العرب يقع تحت طائلة الرقابة والتفتيش والحجز في بعض الأحيان. عندما تأكد للجميع أن منفّذ العملية من ذوي السحنة الشقراء، رجع الكثير إلى أنفسهم وقالوا ''ما لكم كيف تحكمون''.
لكننا تفوقنا على كل التوقعات وقدمنا أكبر إساءة يمكن أن تطول سمعتنا وديننا عندما حدث التفجير الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة في مدينة نيويورك، وبالتزامن معه أسقطت طائرة في ماساتشوستس وأخرى في واشنطن العاصمة. كونت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) ثقافة الخوف من كل ما هو عربي، بل وسعودي.
أنشئت على أثر الاعتداء الإرهابي وزارة الأمن الداخلي الأمريكي التي جمعت كل وسائل الحماية في دولة شاسعة مثل الولايات المتحدة. قامت الوزارة بتشديد إجراءات الدخول والرقابة والمتابعة لكل الداخلين للولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً المملكة. كما نفذت دراسات وبحوثا للتعرف على الأسباب المؤدية إلى تلك الأعمال الإرهابية ضد مصالح الولايات المتحدة.
خلصت الدراسة إلى أن القناعة التي كانت لدى كثير من الأمريكيين عن السعوديين تغيرت بشكل درامي، كما تعززت ثقافة الخوف من كل ما هو شرق أوسطي، وهو ما كان اللوبي الصهيوني ومجموعات الأعمال الإرهابية السابقة قد كوّنوه من خلال عمليات مثل خطف الطائرات وتفجيرها، والاعتداء على السفارات والفرق الرياضية وغيرها.
وصلت الدراسة إلى نتائج، منها أن انخفاض عدد المبتعثين من السعوديين إلى الجامعات الأمريكية في الثمانينيات والتسعينيات، أدى إلى تكوين فجوة بين الشعبين. دفع هذا المسؤولين في الدولتين لتبني عملية إعادة الزخم لبرامج الابتعاث للدراسة في الجامعات الأمريكية، بعد أن كان البعض يعارضونها من قبيل الخوف لا أكثر. لا يمكن أن نتوقع أن يكون شعب بكامله على شاكلة مجموعة تأثرت بنظريات المؤامرة، وتبنت التعامل مع المدنيين العزل بأساليب قاتلة، دون أن يكون لهم ذنب في تكوين السياسة الخارجية أو العلاقات الدولية.
أكتب وأنا لم أعرف بعد هوية منفذ العمل الإرهابي الذي استهدف مدنيين في مدينة بوسطن الأمريكية. لكن التنافس الدرامي بين القنوات للبحث عن الجاني والتلميحات التي أراها من هنا وهناك إلى وجود سعودي مع المصابين وأنه ''غير متهم''، وتوجه المحققين إلى شقة طالب سعودي خارج بوسطن، يعيد إلى الذاكرة تفجير أوكلاهوما، لكن على استحياء. المؤلم هو أن إحدى القنوات الإخبارية العربية تبنت ما نشرته صحيفة الـ''نيويورك بوست''، من أن هناك مشتبهاً به سعودي الجنسية.
عاش السعوديون في الولايات المتحدة سنين عصيبة في أعقاب 11 من أيلول (سبتمبر)، وكان التعامل معهم يبنى على أساس الاشتباه. يذكر ذلك من كانوا يمرون بغرف التفتيش في المطارات ويقعون تحت إجراءات التحقيق المعقدة. بل إن الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة كان من أصعب الأمور لفترة طويلة، لا تزال هناك صعوبات في الحصول عليها مقارنة بما قبل 11 أيلول (سبتمبر).
هدأت الأمور تدريجياً، وخدم الجالية السعودية هناك تأكيد عدم علاقتهم بأي أعمال إجرامية على غرار التفجيرات المشئومة كتفجير أوكلاهوما. وتعززت العلاقات أكثر بمرور فترة من الهدوء بدأ على أثرها تزايد عدد الطلبة السعوديين في الجامعات الأمريكية. حتى أن أحد الزملاء كان يتحدث بإيجابية كبيرة عن تعامل الأمريكيين معه خلال زيارته الشهر الماضي، بل إنه أكد أنه استرجع أيام السبعينيات حين كان السعوديون هم الجنسية المفضلة.
كلنا نأمل أن يكون العمل الإرهابي من تدبير جهات لا علاقة لها بالمملكة، ذلك أن هذا الأمر سيؤدي إلى إعادة تلك الروح المتشككة والمسيئة لسمعة المواطن السعودي، وزيادة السلبية تجاهه من قبل المجتمع الأمريكي. حين نقارن هذا بوجود عدد كبير من الطلبة في الجامعات الأمريكية، وعدد غير قليل من الأشخاص الذين يتلقون العلاج هناك، فإننا سنكتشف الحجم الحقيقي للمشكلة.
من أصعب الأمور التي لا بد من الإشارة إليها هو أن المجتمع الأمريكي يميل إلى التكتل الشديد نحو فكرة أو رأي معين عندما تتبناه جماعات المصالح والتي تسيطر على سوق الإعلام والعلاقات العامة. يدعم هذا وجود عدد كبير من البرامج الحوارية السياسية التي تؤثر بشكل كبير على الرأي العام الأمريكي.
لا أعتقد أن هناك خطة لإدارة أزمة كهذه في حال حدوثها، سواء من قبل السفارة السعودية أو مكاتب الملحقيات التعليمية والصحية. لكن مهما يكن من أمر، فهذه الحالة كشفت إمكانية تورط أي شخص في أي عمل لأسباب نفسية أو اجتماعية أو غيرها، وتدفعنا إلى الدخول في ماراثون آخر.
هذا الماراثون هو مع الوقت الذي يعتبر العدو الأكبر. فإيجاد خطة لإدارة الأزمة التي قد يواجهها أبناء المملكة هناك من قبل منظمات أو أشخاص قد يكونون مدفوعين بالحماس أو الرغبة في الانتقام أو العداء غير المبرر للإسلام والمسلمين أو للسعودية بالذات. خطة تهدف لحل الصعوبات التي يمكن أن يواجهها المواطن في منطقة أو ولاية محددة، وحلها مع السلطات المحلية. تشمل عمليات نقل الطلبة أو المرضى إلى أماكن أكثر أمناً، وإيجاد وسائل تواصل تحمي كل المواطنين الموجودين هناك، وهي أمور في غاية الأهمية مع التغيرات التي تشهدها ساحة العلاقات العامة في ظل نتائج التحقيق في الحادثة وردود الأفعال وعدد السعوديين الموجودين هناك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي