ولج الجمل في سم الخياط..!
.. ليلة ختام ذهبية، المجلس الأحسائي يضم أصدقاءه رجال المال والأعمال يتابعون المباراة النهائية، رجل البلاد الأول يتصدر المشهد، الشيخ الأحسائي يتابع بصمت واجب تفرضه معرفته عن كرة القدم التي لا تتعدى أنها مدورة. الأصدقاء حوله يتبارون في إبراز مواهبهم في التحليل والنقد ويقدمون النصائح لمدربي الفريقين، انتهت الحفلة وتوج البطل، قال الرجل البعيد عن الكرة وهمومها: لماذا لا يكون في الأحساء فريق يفعل مثل هذا، وأشار بسبابته إلى قائد البطل وهو يرفع الكأس. صمت عميق ساد المجلس، ونظرات الازدراء تنطق.
في الطريق إلى منزله القريب من مقر النادي الصغير حدث نفسه: لِمَ لا؟ صوت في أقصى الذاكرة رد: أجدادك بدأوا تجارتهم من الصفر ونجحوا، السؤال نفسه يتردد: لِمَ لا؟
إبراهيم العفالق مهندس تخرج في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وانخرط في شركات العائلة عضوا عاملا، وناشطا في الأعمال الخيرية في المجتمع الأحسائي.
في عام 2007، قرر العفالق الستيني ترؤس نادي الفتح، أول ردة فعل وصلته كانت من أحد أصدقائه أعلاه، حين قال مازحا: كم عدد لاعبي فريق كرة القدم يا صديقي. إشارة إلى بعد إبراهيم التام عن كرة القدم ومعارفها وأجوائها.
جمع شباب العائلة الشباب عبد العزيز العفالق، أحمد الراشد وآخرين، قال لهم: لدي حلم وأنتم ستحققونه، لا أفهم الكرة، وأريد أن أصنع من الفتح قصة نجاح.
وزع المهام، العفالق الصغير والراشد يتوليان كرة القدم، وهو يتولى العلاقات الخارجية وسبل توفير الدعم المعنوي والمادي للنادي. ذات مساء حساوي شيطاني جاء هاتف يقول: هؤلاء الصغار الذين أحضرتهم لنا لا يملكون الخبرة وسيقودوننا إلى التهلكة. وبدأ صراع الأجيال.
وحده إبراهيم العفالق كان الجسر الذي وصل الجيلين ببعضهما. رغم فوارق العمر التي تصل إلى ثلاثين عاما بين عبد العزيز العفالق وعمه إبراهيم، إلا أن برنامج الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة البترول والمعادن جمعهما مجددا، وأصبحا لصيقين لمدة ثمانية وأربعين ساعة كل أسبوع، رفقة الطريق بين الأحساء والظهران، ثم يومان في الأخيرة للمحاضرات، وغالبا ما تحولت الساعات المفترضة للدراسة إلى نقاش عميق عن الفتح، ماذا حدث طوال الأسبوع؟ ما الذي يجب أن نفعله؟ وماذا نحتاج؟
قبل صعود النادي بشهر إلى الممتاز، اتصل الشيخ العفالق من بيروت بأحمد الراشد، قال له: سنصعد إلى الممتاز، حلمنا بدأ يقترب؟ بعد ليلتين سكت قلب إبراهيم فجأة في بيروت، عمَّ الحزن المبرز كلها، مات الملهم، ولم يمت الغرس الذي سقاه بحب في أبناء الأحساء.
تولى عبد العزيز العفالق الرئاسة، بعد أول أسبوع قال لزوجته: أفتقد عمي إبراهيم، لقد كان جدارا عازلا بيننا والمثبطين، المهمة صعبة.
يقضي المهندس عبد العزيز العفالق أحب الأوقات إلى قلبه حينما يلعب مع الأطفال، ويملك مهارات عالية في ممارسة ألعابهم تصل أحيانا إلى استفزاز الصغار وأولهم صغيره عمر، وهي اللحظات الوحيدة التي لا يفكر فيها في الفتح، والملجأ الذي يهرب إليه عندما يشعر بالملل من أجواء الكرة، والمكان المفضل لتجديد طاقته.
منذ أن فاز على الهلال في الدور الثاني، وحلم البطولة يراوده، وخوفا من أن يواجه بازدراء كما قوبل عمه الراحل، يقرر دائما أن يحتفظ به في خياله، يرسمه ويرعاه، قرأ مقالا كتب فيه أحد الصحافيين: "لن يظفر الفتح بالدوري حتى يلج الجمل في سم الخياط"، تألم المهندس الشاب، اعتصرته حرقة وشعر بالمهانة.
ليلة الخامس عشر من أبريل، اكتملت اللوحة، ابتسم عبد العزيز، تذكر عمه الراحل، احتضن رفيق دربه أحمد الراشد، أحاط وجهه براحتيه، وصاح فيه: "ولج الجمل سم الخياط يا أحمد". ساد الصمت وتقاطر الماء على الوجنات، وقدمت الأحساء كبيرها لكل الدُّنا وتركت الازدراء للبقية.