الغذاء خط أحمر

وزارة التجارة توقف حملة دعائية لأحد المطاعم، بسبب تدني نوعية الأسماك التي تروج لها. برامج تلفزيونية تستضيف خبراء يؤكدون أن الأسماك المستخدمة في أغلب مطاعمنا، وفي أسواق الأسماك غير صحية، بل خطرة على صحة الإنسان. بينما تستمر إعلانات إغلاق المطاعم وضبط مواد غذائية غير مطابقة للمواصفات أو حتى للاستخدام البشري.
أكد أحد الخبراء أن بعض الأسماك التي تستورد للمملكة تعيش على المخلفات الضارة في الأنهار. تذكرت حينها أنني ذهبت إلى إحدى الأسواق في ماليزيا، حيث تدخل قدميك في بركة مياه مليئة بأسماك تأكل ما تحويه القدم من النتوءات، بما فيها بعض البقايا غير الصحية.
استهلك الخبير فترة طويلة لإيضاح الفروق بين أنواع الأسماك التي تملأ الأسواق. أسماك موجودة في المحال التجارية وفي أسواق الأسماك يفترض أن تكون مطابقة للشروط الصحية بحكم وجودها ضمن نطاق رقابة البلديات. ركز الخبير على عدم تبني قضية الحماية هذه من قبل الجهات المختصة الرسمية وجمعيات حماية المستهلك الأهلية، بعكس المعمول به في دول العالم. أؤكد لكم أنني لا أحتفظ بأغلب تلك المعلومات في ذهني للساعة. هذا ليس بغريب لمن هو في مثل سني، ومن لا ينتمون لبيئة بحرية يعرف أهلها هذه الفروق. لكنني متأكد أن هذه المشكلة عامة ومتفاقمة.
الإشكالية الأكبر هي لدى من يؤمُّون المطاعم ويتناولون هذه الأسماك جاهزة. الكثير من المطاعم تقدم الأسماك على أنها النمط الصحي للطعام، وأخرى تقدمها في أشكال بعيدة كل البعد عن الذي عرضه الخبير المختص على الشاشة، بعضها يمر بعمليات القلي، أخرى تقدم مضافا إليها محسنات شكلية وتغير تلك المواد نكهتها، هنا نحتاج إلى جهة متمكنة ومختصة لحماية المستهلك.
لا بد أن تبدأ إجراءات الحماية في منافذ المملكة التي تمر بها هذه الأسماك. شهادات المنشأ، والتقارير الصحية، وقوائم الشحن ليست كافية أبدا لفسح الشحنات الغذائية بالذات. تقع مسؤولية كبيرة على الجهات الرقابية كالجمارك وهيئة الغذاء والدواء وهيئة المواصفات ووزارة التجارة. الدقة والتركيز وتوفير أفضل المعدات والتجهيزات لاختبار هذه العينات أمر أساسي، وهو ما كان يميز هذه الجهات، ونحتاج إلى إحيائه من جديد. يجب أن تكون القوانين والعقوبات واضحة وشديدة، خصوصا فيما يتعلق بالغذاء الذي يؤثر في فئات المجتمع كافة.
يلاحظ الجميع أن هناك كميات كبيرة من المواد الغذائية يتم التخلص منها بالتصدير لدول العالم الثالث، لأنها لا تحقق المتطلبات الدنيا لاقتصادات الدول الثرية. يدعم هذا التوجه شدة القوانين التي تطبق على المخالفين. لا بد أن الجميع قرأ أو سمع عن كميات لحوم الخيل التي اكتشفت مخلوطة مع لحوم حمراء أخرى، وكيف تحولت إلى قضية سياسية ونالت من النقاش والبحث كمًّا غير مسبوق في كل دول الاتحاد الأوروبي. لقد نوقشت القضية على أعلى المستويات وتم إطلاق حملات تحقيق في كل الدول لمعرفة مصدر ومآل تلك المواد. بل إن إحدى الشركات التي تملك سلسلة مطاعم في المملكة اشترت كميات من هذه اللحوم، لكن لم نعلم نحن عنها شيئا، ولم يصدر أي شيء بخصوصها -حسب علمي.
تأتي هذه المواد من مصادر داخلية أيضا. يمكن السيطرة بسهولة على الأسماك المستوردة، أما تلك التي تربى في المزارع السمكية أو مجاري المياه غير الصحية داخل المملكة فهي بحاجة إلى تنظيم ورقابة أشد صرامة. يتم البيع بطرق كثيرة بعضها مباشر بين المستثمر والمطاعم، خصوصا سلاسل المطاعم التي اكتشف أحدها ويبيع أسماكا على أنها من صنف '' الهامور'' وهي من نوع آخر، القضية الأهم هل نعلم كم من الشركات تقوم بعمل مثل هذا؟ والجواب الأكيد هو بالنفي. ذلك أن الخبير الذي تحدثت عنه في بداية المقال أكد أن محاولاته إقناع الجهات المختصة بإيقاف عمليات صيد السمك في مواقع غير ملائمة للتربية أو مزارع لا تلبي المتطلبات الأساسية للحماية الغذائية ذهبت سدى.
يمكن القول: إن وزارة التجارة ملزمة الآن بتوحيد جهود كل الجهات ذات العلاقة بحكم نشاطها المتميز، وتكليفها أخيرا بقرار من مجلس الوزراء، لتكوين فرق الرقابة في الأسواق والمطاعم حماية للمواطن من هذه المخاطر. يمكن أن تقوم الوزارة بإصدار ''قائمة بيضاء'' تشمل أسماء جميع الشركات والمطاعم التي تخضع للرقابة وتلتزم بالمتطلبات التي تحددها الجهات التشريعية. كما يمكن أن تفرض الوزارة رسما معقولا على تقديم هذه الشهادات بما يمكّن الجهات الرقابية من توفير التجهيزات اللازمة وتنفيذ أعمال الرقابة في الأوقات الملائمة.
كما أن من أهم وسائل حماية المواطن في ظل انتشار المحال التجارية والأسواق والمطاعم التي تبيع مختلف المنتجات الغذائية المعرضة للغش والتلاعب، وضع عقوبات شديدة تضمن الحد من التلاعب بحياة المواطنين. أثبتت عقوبة الإغلاق المؤقت فشلها، فكثير من المطاعم التي تم إغلاقها مؤقتا تعود لممارسة الغش، ونحن لسنا بصدد أمر يمكن تأجيله أو قبول أن يحدث في موقع آخر. يجب أن تكون العقوبات شديدة بدرجة تضمن أن يرتدع كل من يسمع بها وليس مرتكب المخالفة فقط، الإغلاق النهائي وسيلة، والسجن وسيلة أخرى، تضاف إلى ذلك العقوبات المالية المغلظة التي يمكن أن يسمع بها القاصي والداني، ولنا في دولة مثل الولايات المتحدة المثال، فقد تم تغريم أحد المطاعم مبلغ يقارب 400 ألف ريال لمخالفات تتعلق بنظافة مستودعات حفظ المواد الغذائية وصالات جلوس الزبائن، فكيف بمن يطعم الناس مواد غذائية فاسدة أو خطرة على الصحة؟
الأهم من هذا قيام إدارة الصحة العامة بنشر قائمة ''سوداء'' تضم المطاعم المخالفة ومخالفاتها والغرامات المفروضة عليها، يتم تحديثها باستمرار، ويمكن للمواطن أن يطلع عليها وهو ما يمكن أن يدفع كل المنشآت لتنفيذ تعليمات ومتطلبات الصحة العامة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي