رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أخطاء تاتشر الاقتصادية لن تموت معها

«لا يوجد شيء اسمه مجتمع»

مارجريت تاتشر - رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة

تموت مارجريت تاتشر، دون أن تموت معها ''الأخطاء'' الاقتصادية التي ارتكبتها. طبعًا هناك من يرى، أن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، قدمت نموذجًا اقتصاديًّا متطورًا وعالي الجودة. ويعتقد هؤلاء، أن فترتها في الحكم، أعادت إلى بريطانيا زخمها، سياسيًّا واقتصاديًّا، وأنها انتشلتها من بؤرة الإضرابات، وتحكم نقابات العمال في القرار العمالي، وأنها وضعت الاقتصاد البريطاني في مكانه الصحيح، وأنها شكلت مع زميلها (آنذاك) الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ثنائيًّا كان ''ضروريًّا'' على الساحة العالمية. وعند كارهي أوروبا بأشكالها الوحدوية، كان هذا الثنائي مطلوبًا، من أجل ''التوازن''، ولكيلا يتضخم الأوروبيون بصورة لا يمكن الحد منها. أما عند أولئك، الذين ''عبدوا'' السوق، في سياق كراهيتهم للمجتمع، كانت تاتشر حتمية، مع التمنيات (التي انتهت بموت تاتشر) أن يظهر من يستطيع استنساخها، وصنع ''تاتشرات'' إلى الأبد، ولا بأس بأن تكون بجنسيات مختلفة، لـ ''ينعم'' العالم بعطاءاتها وأفكارها وسلوكياتها ومبادئها.
لولا التحالف الوثيق بين تاتشر مع إدارة ريجان، لما كان لآثامها الاقتصادية إلا بُعدها المحلي. مع ضرورة الاعتراف بأن بريطانيا كانت تحتاج بالفعل (حين أتت إلى الحكم)، إلى تغيير في أدائها الاقتصادي، وإلى إعادة صياغة المشهد الاقتصادي بصورة أكثر من إصلاحية. فالمعايير تتغير، والمعطيات كذلك، والاستحقاقات تظهر على السطح، لا يمكن بأي حال من الأحوال، القفز فوقها، أو تجنبها. لقد تجاوزت تاتشر في عملية التغيير كل الحدود والخطوط والمبادئ، بما في ذلك بعض المبادئ التي أطلقها المفكر الاسكتلندي الشهير آدام سميث. فهذا الأخير يرى أن مصلحة الفرد أهم من مصلحة المجتمع. وعلى الرغم من هذا الخلل الفظيع في الطرح، وجدت تاتشر أن سميث، كان ''معتدلًا'' أكثر من اللازم في مسألة الفرد والمجتمع، لتطرح ''نظريتها'' الخاصة، التي تستند على ماذا؟ على عدم وجود المجتمع أصلًا!
ومع القوة السياسية التي كانت تتمتع بها في السنوات الأولى لحكمها (تاتشر طُردت طردًا من زعامة حزبها ورئاسة الوزراء)، فرضت ''نظريتها'' المشينة، التي لاقت الصدى المطلوب على الجانب الآخر من الأطلسي، لينشأ ما يمكن تسميته ''حلف تاتشر-ريجان''، الذي فرض أدبياته الاقتصادية الاجتماعية في بلدين محوريين على الساحة العالمية، لتنتقل عدواه شيئًا فشيئًا إلى بلدان محورية أيضًا. قبل تاتشر-ريجان، كانت السلعة تبحث عن الإنسان، بعدهما أصبح الإنسان يبحث عن السلعة، وهذه نتيجة طبيعية لإلغاء دور المجتمع ليس فقط في الإنتاج، بل في أخلاقيات السوق. فالسوق التي تسيطر على المجتمع (أو تصنعه)، تكون متجردة من الضمانات والمعايير الأخلاقية. لقد ظل هذا ''الحلف'' يسوق هذه الأفكار، بل يفرضها بما يملك من قوة سياسية، لتكريس المفهوم المريع ''السوق تصنع المجتمع''!، وهذا يعني ببساطة أن ''السلعة تصنع الإنسان''!
رسمت تاتشر (ومعها ريجان) الخطوط الأولى للأزمة الاقتصادية العالمية. فهذه الأزمة انفجرت أساسًا بسبب ارتفاع معدلات تحكم السوق في نفسها، لا تحكم المجتمع فيها، وهذا موروث ساهمت الحكومات التي أعقبت تاتشر في الحفاظ عليه، وإن بأسلوب أكثر إنسانية وأخلاقية. فحتى جون ميجور الذي خلف تاتشر مباشرة، الذي يعتبر من أتباعها المخلصين، لم يستطع فور وصوله إلى الحكم، إلا أن يرفع شعارًا كان ضروريًّا لبقاء المحافظين في السلطة. الشعار ''العودة إلى الأصول''. وهذا الشعار، كان بمنزلة اعتذار غير مباشرة عن الأضرار التي ألحقتها تاتشر بالمجتمع، بصرف النظر عن ''الأضواء الجميلة'' الآتية من السوق. والحقيقة أن هذا الشعار لم يوفر لميجور مساحة زمنية طويلة في الحكم، سواء على الصعيد الحزبي أو الشعبي. لقد هبطت تاتشر بشعبية حزبها، لدرجة أن رئيس الوزراء الحالي (ديفيد كاميرون)، لم يستطع أن يشكل حكومة محافظة خالصة، فاضطر إلى التحالف مع حزب يتعارض (في الواقع) مع المحافظين في الكثير من المبادئ الرئيسة.
لا يمكن إعفاء تاتشر من آثام الأزمة الاقتصادية. لقد وضعت ''المتفجرات'' اللازمة، وانتظرت تشكُل الفتيل شيئًا فشيئًا، إلى أن جاء من يشعله. كما لا يمكن إعفاؤها من الأزمات الاجتماعية التي تسببت فيها، من جراء اقتصاد مادي خالص، بعيد عن أي روح إنسانية. ففي عهدها انفجرت أزمة عقارات فادحة، أدت إلى خسارة أعداد كبيرة من البريطانيين منازلهم إلى الأبد. وفي عهدها ظهرت طبقة اجتماعية، المؤهل الوحيد للمنضمين إليها هو ''الفهلوة''. وهؤلاء في الواقع كان يؤسسون الأعمال في كل الاتجاهات، ليهربوا لاحقًا في كل الاتجاهات، بعد أن يكونوا قد نهبوا ما تيسر لهم من أموال غيرهم. لقد عانت بريطانيا من طبقة المحتالين في كل شيء. ألا ينبغي أن تكون مفتوحة بدون ضوابط؟! وأن تكون للسوق الكلمة الأولى والأخيرة على المجتمع؟!
كانت مارجريت تاتشر تقول: ''لا يهمني مدى ثرثرة وزرائي، المهم أنهم يقومون بما آمرهم به''. لقد ماتت وانتهت ثرثرة وزرائها منذ خروجها من الحكم مجبرة. التاريخ لا يثرثر، إنه يروي الأحداث، وقد روى بالفعل حتى قبل موت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، أن هذه الأخيرة كانت حديدية بقوتها وإرادتها، وفولاذية في معاندة المجتمع. إنها مرحلة بالفعل، لكن آثارها وبعض آثامها ستبقى في الأجواء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي