رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العاطفة والقرد..

نحن العرب عامة والسعوديون خاصة عاطفيون، تأسرنا الكلمة الحلوة، ونتعلق بالأشخاص فيسكنون قلوبنا، ونتبارى في خلع القداسة عليهم، نظل أسرى لنماذجهم لا ننفك عنها، وتصبح توجهاتنا وتطلعاتنا المستقبلية مرتبطة بهم، ويتحول الأمر إلى خشية من التغيير حتى وإن كان التغيير سيأتي بالأفضل.
.. وتمتلئ موروثاتنا الثقافية الشعبية بالكثير من الأمثال التي تحث على التمسك بالقديم ونبذ كل جديد، في مصر يقول المصريون: من فات قديمه تاه، وفي السعودية يبدو الأمر أكثر وضوحا وتشاؤما حين يُردد المثل الشعبي: أمسك قردك لا يجيك أقرد منه.
.. في لغتنا العربية الأم ثراء فاحش في مفردات الحب والرثاء، بل إن شعر الحب والغزل طغى على كل أصنافه الأخرى متقدما على الحماسة والفخر والحكمة بخطوات واسعة، ولا تجد سعوديا واحدا لا يحفط بيتا أو قصيدة حب، في مقابل ذاكرة لا تحتفظ ببيت شعر واحد في الحكمة مثلا.
سيادة العاطفة في حياتنا عامة، لم تترك مكانا للقانون والاستقلالية في العلاقات. قليل من العلاقات العملية في مجتمعنا يمكن تصنيفها تحت رباط التعاقدية القانونية، والنجاح في مسار ما في الحياة دعا غالبية الأُسر إلى رفض التجربة في مجالات أخرى، إلى درجة أن أجيال المجتمع أصبحت صور التوريث فيه دستورا من شذ عنه شذ في مغامرة غير محسوبة العواقب، ابن الضابط يصبح ضابطا لاحقا، والمعلمة تنتج معلمة، وداعية الدين يلد دعاة آخرين يحملون صورة طبق الأصل نصا وشكلا، حتى أصبح المجتمع كله عبارة عن فوج عسكري يخلف فيه الولد والده، والأجيال نسخة عن ما قبلها، والتغيير مغامرة قد تأتي بقرد غير منبوذ.
ولقد ذهلت في آخر زيارة للمؤسسة الإعلامية الأولى حين قابلت مذيعين ومخرجين ومعدين شبابا، كلهم أبناء معدين ومخرجين ومذيعين معاصرين، وربما ساروا كلهم على المثل: "أمسك قردك....."، وهو مثل أظن مطلقه الأول قرداتي ماكر، احتكر نوعا ما من القرود وحارب الفصائل الأخرى التي لا يبيعها بمثله التشاؤمي.
في كرة القدم السعودية، ورغم مضي تسعة عشر عاما على مؤتمر الراحل فيصل بن فهد الذي أعلن فيه احتراف اللاعب السعودي، لم تتجاوز علاقة الأندية بلاعبيها "العاطفة"، لا تخلو من إفراط وتفريط، وغالبا ما دفعت إدارات الأندية ذاتها، ثمن ذلك من شعبيتها أو خزائنها، في مشهد صريح لانقلاب السحر على ساحره.
تحاول الأندية تغذية صورة النجم وتضخيمها، فتنمو، وتكبر، وتسيطر على المدرج كاملا، أملا في الاستفادة من ذلك في وجوه الخصوم، ولا تفكر في المستقبل فتوقع نفسها في المحظور حين تتوقف عطاءات النجم ويخف بريقه فتبحث عن مخرج للاستغناء عنه فلا تجد، لأنها في ما مضى سدت كل المنافذ المؤدية إلى خروج آمن بلا خسائر.
وحين تأتي لحظة الوداع المفترضة، تحضر العاطفة مستدعية كل مخزونها وعباراتها الشاعرية التي تلامس القلب وتهز الوجدان وتعطل العقل، لم أسمع يوما من إدارة ناد ما، أن عقد لاعبها انتهى وأنها لا ترى مصلحة في التجديد معه، بل يتحول الأمر إلى ولادة قيصرية لإخراج النجم من رحم النادي، وغالبا الخسائر حاضرة.
عندما تتحول الأندية في علاقاتها مع اللاعبين النجوم ومن يليهم إلى علاقة تعاقدية يحكمها القانون، ستوفر الأندية على نفسها أزمات مفتعلة، وسيصبح النجم نجما في رحيله وبقائه، ويصبح الولاء للقانون لا الأشخاص. جميل أن يغلف الحب والعاطفة علاقاتنا، لكن الحب لا "يؤكل عيشا" في علاقات العمل، التي تعتمد على المكافأة في مقابل الإنجاز.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي