كوريا الشمالية .. «الأمن مقابل الغذاء»
أذكر أن أحد الطلبة في المرحلة الابتدائية كان يتسلط على أبناء ذوي الحال المتوسطة, فيستولي على ''فسحتهم'' أو ما معهم من مصروف. وهي حال كانت سائدة في الكثير من المدارس. آخرون كانوا يتربحون من سلوك هذا الطالب ''الإجرامي'', من خلال تقديم خدماتهم كـ ''حماة'' لهؤلاء ''المستضعفين'', مقابل مبلغ مالي.
يتذكر الزملاء تلك القصص اليوم ويقارنون حال ''ضحايا'' الأمس بذلك ''المستبد''. الاكتشاف الأكثر تكراراً هو وصول المستضعفين إلى مراكز وظيفية أو اقتصادية جيدة, وبقاء ذلك ''المتنمر'' تحت خط الفقر, حالة تتكرر اليوم على المسرح السياسي الكوري.
أعلنت اليابان ''التي كانت تحتل شبه الجزيرة الكورية'' استسلامها نهاية الحرب العالمية الثانية. دفع هذا الاستسلام الأمم المتحدة إلى تقسيم كوريا بين الاتحاد السوفييتي ودول الحلفاء. كوريا الشمالية تم ضمها لسيطرة الاتحاد السوفييتي ووضعت الجنوبية تحت سيطرة دول التحالف التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية. نشأت تبعاً لهذا دولة شيوعية اشتراكية في الشمال ودولة رأسمالية في الجنوب.
حاولت كوريا الشمالية احتلال جارتها الجنوبية بدعم من الاتحاد السوفييتي في عام 1950م, بعد ثلاث سنوات وأكثر من مليون ضحية انتهت الحرب على نفس الحدود التي رسمتها الأمم المتحدة في نهاية الحرب العالمية. استمرت الكراهية والحساسية طول فترة حياة الاتحاد السوفييتي, وبعد سقوطه كأطول حرب باردة.
تعلمت ألمانيا من أخطائها, وتعلمت روسيا كذلك, بل وانتقلت دول أخرى من تحت راية الشيوعية الاشتراكية إلى الحرية الرأسمالية, حتى الصين تحولت إلى معقل للرأسمالية, وبدأت تحترم ''إلى حد ما'' الحريات والتنوع الديني والاجتماعي. وبقي الشعب الكوري الشمالي تحت سيطرة مجموعة من أعضاء الحزب الذين ضحوا بأكثر من مليون إنسان خلال 30 عاماً في معامل السخرة والتصفيات الجسدية ومخيمات اللاجئين. توفي من الكوريين الشماليين أكثر من 400 ألف نتيجة المجاعة التي اجتاحت الدولة في التسعينيات الميلادية.
على النقيض من هذه الصورة السوداوية برزت كوريا الجنوبية كواحدة من النمور التي سيطرت على الساحة الاقتصادية في آسيا منذ ما يقارب 30 عاماً, وما تزال كوريا الجنوبية تحقق قفزات كبيرة في الاقتصاد والرفاه لمواطنيها.
يبلغ عدد سكان كوريا الجنوبية أكثر من ضعف عدد سكان كوريا الشمالية, ومع ذلك يبلغ دخل الفرد الواحد في كوريا الجنوبية ما يعادل 20 فرداً في الشمالية. كما يعتبر النظام التعليمي في كوريا الجنوبية من أفضل أنظمة التعليم دولياً. تصنف كوريا الجنوبية في المرتبة الـ 11 عالمياً لجهة حجم الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقع كوريا الشمالية في المرتبة الـ 97. لا مقارنة اليوم بين الدولتين التي بدأتا التنافس بنفس الإمكانات, ووصلتا إلى مرحلة يحتار معها المراقب كيف يمكن أن يستمر بقاء نظام مثل الحاكم في كوريا الشمالية في الوجود.
تشير المعلومات الإحصائية إلى أن نسبة نمو الاقتصاد منذ عام 2006 كانت سلبية في كوريا الشمالية, إضافة إلى تعرض اقتصادها لصدمات كبيرة من أهمها فشل المناطق الصناعية التي أنشأتها الدولة, وساهمت كوريا الجنوبية في دعمها من خلال شركاتها العملاقة. يضاف إلى هذا أن إيقاف العمل في أحد المفاعلات النووية كان مشروطاً بتقديم معونات من الغرب التي بقيت دون المستوى الذي يريده الشماليون.
جاء اليوم الذي وجدت ''بيونج يانج'' نفسها في أزمة حقيقية لا تستطيع معها أن تحافظ على وعودها بالتوقف عن التهديد باستخدام الصواريخ النووية لضرب المصالح الأمريكية والكورية الجنوبية. رغم أن المحللين يرون أن أبعد مدى لصواريخ كوريا الشمالية لا يتجاوز جزيرة ''قوام''.
تدني دخل الفرد ووجود تململ في الشارع وعدم قناعة المواطنين بأهلية الرئيس ''الوريث'' لمنصبه, هي مهددات للحزب الشيوعي برمته, وأظن أن الفشل الاقتصادي هو ما يدفع هذه الدولة للانتحار. نظام الحكم الدكتاتوري الجماعي الذي يمثله الحزب الحاكم الشيوعي يتشبث بالسلطة بكل الأشكال الممكنة. يزداد هذا التمسك مع ظهور أفكار ومناصرين للتخلص من سيطرة هذا الحزب.
اعتمد النظام على أساليب عديدة للبقاء مثل: قمع الشعب في الداخل، وشن الحرب على الجنوب، وتكييف العلوم وبلورتها بما يتناسب مع أيديولوجيته, وتشكيل الشعب بقالب معين، وتدجينه وفق فكر معين, وإشغال الشعب بعدو وهمي وتحميسه ضد هذا العدو, وإبقاء الشعب في حالة فقر وعوز دائمين حتى يكدح الشعب وينشغل بطلب العيش, وتفكيك المجتمع مع بناء جهاز استخباراتي قوي ونشيط يتغلغل داخل الشعب.
لا يمكن لأي ذي عقل أن يفهم كيف توجد دولة في العالم تهدد بتدمير جيرانها وكل مخالفيها بأسلحة تتجاوز تكلفة إنتاجها تريليونات الدولارات بينما يبقى الشعب جائعاً. في الواقع إن حالة كوريا الشمالية هي الأكثر شذوذاً, فهي مستعدة للتخلي عن التهديد بضرب العالم بالسلاح النووي مقابل إيقاف العقوبات الاقتصادية, وتوفير الطعام.
السؤال الذي يجب أن يسأله أعضاء الحزب الحاكم في كوريا الشمالية هو أين ذهب أسلافهم الذين حكموا بالحديد والنار في ألمانيا ورومانيا والاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط؟ وكيف حكم عليهم التاريخ والشعوب؟ التضحية التي يجب أن يقدمها هؤلاء هي أن يعتقوا هذا الشعب المسكين ويعطوه الفرصة لحياة أفضل. يجب كذلك أن تدفع الصين بهذا الاتجاه لأنها الداعم الأكبر لهذا الحزب.
لكن الواقع على الأرض لا يوحي بوجود أو احتمال حدوث مثل هذه التضحية. لا بد أن يأخذ الشعب مصيره بيده ويخرج من هذا السجن الكبير, كما فعل أسلافه شعوب ألمانيا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي, بدل البقاء رهينة لقائد طائش لم يبلغ الـ 30 من عمره, يراجع خطط الحرب وهو يدخن السيجارة ويقف فوق رأسه قادة تتجاوز أعمار كل منهم الـ 80, يضعون على صدورهم من الأوسمة ما لا يمكن فهم مصدرها.