العبر الجسام لاغتيال البوطي
لعل مقالي الذي سردت فيه رؤيتي لأسباب اغتيال الشيخ البوطي بعد تحول مفاهيم الشيخ واكتشافه خطأ توجهه وسلوكه مسلكاً أضر بالثوار ونفع النظام استغل كل كلمة يقولها الشيخ، وكل محاضرة ودرس يجتمع له أبناء دمشق، لعله كان قريباً جداً من الواقع. أثبت ذلك مقطع نشر في ''الاقتصادية'' يوم الثلاثاء 28/5/1434هـ. كثيرون توقعوا الشيء نفسه، ولو عارضه البعض بناءً على عدم فهم لكيفية عمل نظام مثل الحاكم في سورية.
الاتفاق والاختلاف كان قبل أن ينشر المقطع ''الفضيحة'' الذي أظهر أسلوب العصابات المعتمد في عمليات التفجير والتخلص من الأعداء، ومن ثم البكاء عليهم في الشاشات ووسائل الإعلام. أما وقد شاهدنا التفجير، وتبعه خلال ثوان معدودة تقدم مجموعة من ''أزلام النظام'' الذين تولوا مهمة ترتيب سقوط الشيخ والتأكد من موته، ولم يكن لديهم إشكال في إطلاق رصاصات تضمن إنهاء حياة الهدف، إن استدعى الموقف، وتأكد للجميع تمرس هؤلاء الأشخاص في تنفيذ أعمال الاغتيال، فليس هناك مجال للاختلاف.
يستدعي هذا الموقف أن يعيد كثيرون من داعمي نظام مثل هذا لمراجعة أنفسهم. يجب أن يعيد كل واحد منهم تقييم الحال ويعرف أن سلوكه ''مقبول'' ما دام في مصلحة النظام، أما إذا بدأ في التفكير ومحاولة إصلاح ما أفسده، فهو هدف ''مشروع'' لعمليات الاغتيال التي راح ضحيتها الكثير من المسؤولين والعلماء والسياسيين.
يقول المثل العربي ''العاقل من اتعظ بغيره''. وهذه فرصة لكل من اتخذ موقفاً يشك في صحته أو يرى فيه خطأ يستغله النظام لقتل الناس أو إشاعة الفوضى والدمار مهما كان موقعه، فرصة لمراجعة النفس والتخلص من الأنانية, وتغليب المصلحة العامة. وهناك كثير من العبر في هذه الحادثة:
- فالظلم ''وهو وضع الشيء أو الشخص في غير موضعه'' ينقلب على صاحبه لا محالة. ففي الدنيا ينتصر الله للمظلوم من الظالم، ويكون حظ الظالم سيئاً إن كان نصر الله للمظلوم في الآخرة. فلنبتعد عن ظُلم الآخرين، وليعلم كل واحد أثر كلمة يقولها تنتشر في الآفاق وتضر إنساناً أينما كان مكانه أو مركزه.
- فائدة أخرى هي أنه ليس بعد الكفر ذنب. نظام يقتل المصلين في المساجد، ويدعي الإسلام، وأركانه لا يعرفون كيف يؤدون الصلاة، لا يستحق النصرة. لقد كفروا بخالقهم عندما جعلوا الناس يسجدون لرئيس نظامهم، وكفروا عندما تحدوا الله في عبارات الشرك التي يلزمون الأسرى بترديدها. ولم يمنعهم أو يردعهم أحد، فكيف يقف رجل يخاف الله مع نظام كهذا.
- العبرة الثالثة هي: أن من ضحى بأمة كاملة وتجاوز عدد من قتلهم نظامه السبعين ألفاً، وقد يكون تجاوز 100 ألف في سنتين، لن يضيره اغتيال شخص آخر كائناً من كان. وما دام النظام يرى أن القتل وسيلة للبقاء، وليس لديه أي نية لتسليم الحكم ولو من قبيل حقن دماء الناس - رغم العروض الكثيرة التي تأتيه من حلفائه وغيرهم - ويعيش في عالم من النرجسية الخانقة التي تسول له القتل للقتل، فيصبح القتل هو الحل الأول لكل مشكلة تظهر أو خلاف بينه وبين أي من المدافعين عنه.
- يمكن القول بعد رؤية الشيخ وهو يُقتل إن العمر قصير مهما طال. وقد كانت أمي ـــ رحمها الله ـــ تردد دائماً مقولتها الشهيرة ''حياة تاليتها الموت، لاش''. قد يطلب البعض الحياة لسنة أو عشر سنوات أو أكثر أو أقل، لكنه سيواجه المحتوم يوماً، وهذا يضع على قدوات الأمة مسؤولية عدم التفكير في الذات، بل الالتفات إلى حوائج الناس والوقوف معهم وليس ضدهم، ما دام الموت يرصدهم في كل لحظة.
- يذكر التاريخ مواقف ويربطها بأشخاص وقفوها، فالموت ليس نهاية الأشياء، بل إن كثيرا من الذنوب والخطايا ترتكب اليوم بأسماء أشخاص أباحوها أو دعوا إليها. وفي المقابل نتذكر مواقف مشرّفة لعلماء وقفوا مع الحق رغم التعذيب والسجن والتنكيل، بل القتل، وفي ذلك قول المصطفى ـــ صلى الله عليه وسلم: ''من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة'' أو كما قال ـــ صلى الله عليه وسلم.
- عبرة أخيرة ''وما أكثر العبر في هذا المقام'' وهي أن الحق أحق أن يتبع، فأينما رأيت الحق فعليك أن تقف معه، فليس ينفعك في دنياك ولا أُخراك إلا تبرئة الساحة والوقوف في الموقف الذي يرضي الله ـــ سبحانه وتعالى. كم يأتي من المغريات للإنسان، وكم يجمِّل الشيطان له من مواقف وأشخاص، لكن الحق أحق أن يتبع، ذلك أن الموت ليس نهاية الأشياء، إنما يتبع الموت حساب وعقاب.
هذه دعوة لكل من يقف في مكان غير الحق، ومن يقول مقالاً يحسبه مخالفاً للواقع، ومن يفعل فعلاً يظلم به نفسه أو غيره، للعودة ومحاسبة الذات والتخلص من إثم قائم؛ لأن تأنيب الضمير قد يظهر متأخراً، أو لا يأتي أبداً، حينها يكون المرء قد خسر دنياه وآخرته.