رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حملة مباركة

منذ بدأت في بناء منزلي وشكوى المقاولين مستمرة بسبب نقص العمالة. ارتفعت تكاليف العمالة اليومية بشكل متسارع نتيجة لأمور كثيرة، لكن العنصر الأهم هو حركة البناء والعمار التي تعم الديار. انطلاقة كبيرة لكثير من المشاريع الحكومية دفعت إلى تشغيل كل من في البلد سواء كان نظامياً أم لم يكن. يبقى المتأثر الأكبر من هذه المعادلة هو المواطن البسيط.
كان الأسبوعان الأخيران قمة الشكاوى والاعتذارات، لم يعد أحد يحضر إلى الموقع. أصبحت أطارد الجميع بالهاتف، واتخَذَ كل واحد منهم السياسة نفسها وهي "التطنيش". لا أحد يرد لدرجة أنني توقعت أن البعض منهم رُحِّلوا خارج البلاد. مر يومان أو ثلاثة ثم أتى أحدهم يبكي ويندب حظه العاثر فنصف عمالته على كفالة شخص آخر، والأدهى أن النصف الآخر قادم على تأشيرات لا علاقة لها بالعمل الذي يمارسونه مع المقاول.
ذكرني هذا بمقولة قديمة جديدة، وهي أننا ننقل التقنية، لكن من الغرب إلى الشرق. يأتي الأجنبي بمؤهل عادي. يحصل على وظيفة في موقع يستخدم أحدث التقنيات، يتم تدريبه على الأجهزة الحديثة وطرق العمل الأكثر تطوراً، ثم يعود إلى بلده وقد حصل على تدريب مدفوع التكلفة على أعلى المستويات، ويحصل في الوقت نفسه على راتب يعتبر ممتازاً مقارنة بتخصصه الأصلي.
أظهرت الحملة كثيرا من الأمور الغريبة العجيبة التي لم نكن نتوقع أن يتورط فيها رجال أعمالنا أو حتى شركاتنا الكبرى. فمن فني صيانة تحول إلى كبير مهندسين، إلى عامل نظافة يدير مبيعات شركة من بين أكبر 100 شركة في المملكة. والغريب في هذا كله أننا نشكو من تعثر المشاريع، ومن شواهد ذلك هذه العشوائية وعدم الاحترافية في الإدارة.
ذكر لي زميل يعمل في وزارة الصحة - وأثق بكلامه - أنه زار زميلاً يملك مكتب عقار. طلب صاحب المكتب من العامل إحضار الشاي لضيفه، وفي تلك الأثناء أخذ يحدث العامل عن صديقه قائلاً: صديقي هذا يعمل في المستشفى الفلاني. إذا أردت أدوية فاطلبها منه، رد العامل بأنه لا يحتاج إلى أدوية فهو يحصل عليها من طرق أخرى - هذا يثير قضية السيطرة على حركة الأدوية، لكنه ليس مجال مقالي هذا. طلب العامل من صديقي أن يساعده على الحصول على وظيفة. سأل أخونا: وأي وظيفة تريد؟ رد العامل: طبيب عظام أو باطنية.
ضحك السعوديان من جرأة هذا العامل، الذي طلب منهما الانتظار لبضع دقائق. ذهب الرجل، وأحضر معه حقيبة، فتحها وأخرج شهادتين من كلية طب في دولته تثبت أنه حاصل على درجة البكالوريوس والزمالة في التخصصين اللذين ذكرهما. انتهت القصة هنا. لكننا نعلم كم من أمثال هذا حصلوا على وظائف إن لم يكن في وزارة الصحة نفسها فمع مقاوليها في برامج التشغيل الذاتي. وما "هاشتاق" هلكوني منا ببعيد.
آخر ما شاهدت من الوثائق التي تخص حملة الجوازات خطاب أرسله كبير المهندسين في كبرى شركات المقاولات السعودية، وهي لا تدخل المنافسات الحكومية، إنما تحصل عليها بالتكليف المباشر لارتفاع أسعارها، أكد الخطاب على جميع مسؤولي المواقع بعدم تشغيل عمالة ليست على كفالة الشركة، وتطبيق الإجراء نفسه على مقاوليهم من الباطن. أجمل ما في الخطاب أنه موجه من المهندس غير السعودي إلى رؤساء المواقع غير السعوديين، والنسخ فيها اسم شخص واحد "قد يكون" سعودياً، هذا يوضح حجم المشكلة.
أتمنى أن تستمر الحملة لضمان قانونية كل العاملين، وحماية الوظائف، وبدرجة أهم توفير وظيفة محترمة للمواطن الذي هو الهدف النهائي من حملة كهذه. لكن من المهم أن تكون هناك إجراءات داعمة لعملية الدهم والترحيل.
تحدثت في البداية عن تعاملي الشخصي مع مقاولين أجانب يتستر عليهم مواطنون، فيعطونهم "الخيط والمخيط"، والأولى أن يكون السعودي على رأس مؤسسته يديرها ويتحمل مسؤولية العمالة التي على كفالته. هذا سيحقق نتيجة مهمة وهي رفع وتيرة التنافس في السوق، وهو مفيد للمواطن العادي من أمثالي.
المعلوم أن أسعار المؤسسات التي يديرها السعوديون تتجاوز ضعف أسعار المقاولين غير القانونيين. فلماذا لا تقنن الجهات التنظيمية تسعير الأعمال بطريقة تضمن ربحاً معقولاً لصاحب المؤسسة، وحماية المواطن. أستغرب استمرار الكفلاء في التستر وهم يشاهدون هذا الكم الكبير من الأرباح التي يحققها مكفولوهم رغم ما يفرضه الكفيل من الإتاوات التي تذكرني بإقطاعيي أوروبا العصور المظلمة. لو عمل كل صاحب مؤسسة في مكتبه وأدار عمله بنفسه لشغل كثير من الوظائف التي يشغلونها، ولساهم في حماية مواطنيه واقتصاد بلده.
يأتي في المقابل موضوع مهم يجب أن تلتفت إليه الجهات المسؤولة عن إدارة الاستثمار الأجنبي في المملكة. إن دعم الاستثمار الأجنبي في مجالات لا تفيد الاقتصاد المحلي مثل ورش السيارات وورش الألمنيوم والحديد والنجارة وغيرها، وتلك التي لا تقدم إضافة نوعية للاقتصاد مثل المطاعم ومحال بيع التجزئة، لا يحقق سوى تحجيم فرص صغار المستثمرين وزيادة مبالغ التحويلات الخارجية، ونحن نخسر من التحويلات الخارجية أكثر من 100 مليار ريال سنوياً وهي مرشحة للزيادة بنسبة 30 في المائة العام الحالي إن استمر الحال على ما هو عليه. أرجو أن تستمر الحملات مدعومة بتشجيع المواطن، وأن تحقق الفوائد التي ينتظرها المواطنون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي