رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«صالون 503» وحفل تخريج

كنت برفقة ابني عندما قرأت لوحة صالون حلاقة تحمل اسم ''صالون 503'', سألت ابني الذي يصغرني بأكثر من 30 عاماً ما معنى 503, فرد قائلاً: هذا يرمز للقبيلة الفلانية. قبل هذه الحادثة بأسبوع شاهدت حفلاً أقامه خريجو إحدى الكليات العسكرية من قبيلة معينة بمناسبة تخرجهم في إحدى أكبر قاعات الأفراح. حالتان لم تعودا غريبتين على المجتمع، بل إن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل كل يوم – تقريباً – مقطعاً يصور بعض العسكريين وهم يمارسون الاحتفال بالرقصات الشعبية التي ترمز لقبيلة أو منطقة معينة.
يضاف إلى هذه الحال الغريبة ما شاهدته في الكثير من المقاهي والاستراحات من التركيز على قنوات ''قبلية'', تنشر ثقافة تفوق أفراد القبيلة على مدار الساعة, يقع ضحية هذه القنوات صغار السن من أبناء القبائل الذين لا يعرفون عن القبيلة شيئا سوى أنها رمز للتفوق على الآخرين. قنوات أوجدت شرخاً مجتمعياً أدى إلى توجه كل فئة نحو تكوين مراكز جذب لأفراد الفئة تبعدهم عن الوحدة الوطنية التي طالما تمنيناها, وعملت الدولة على دعمها, وتوقعنا أننا اقتربنا من تحقيقها.
مظاهر كثيرة للاحتفاء بالاختلاف, وهو أمر محمود ما دام في سياق المحافظة على الهوية, التي هي جزء مهم من المكون الأكبر وهو الوطن. الوطن الذي يجب أن يكون جامعاً لكل اختلافاتنا, ومستوعباً لهذا التنوع الجميل الذي صنعته أجيال سبقتنا لم تحظ بالمزايا التي نتمتع بها اليوم, وأهمها الوطن الواحد الذي نفتخر بالانتماء إليه جميعاً.
التنوع الثقافي جميل عندما نشاهده من خلال تلك الرقصات والعرضات التي يضمها أوبريت واحد شامل في افتتاح مهرجان الجنادرية. ذلك الاختلاف والتنوع الذي نشاهده عندما نزور القرية التراثية، يعرض مكونات وطن ضارب الجذور في التاريخ, يضم مناطق فيها من التنوع والإرث الأصيل ما يميزه عن كثير من الأوطان. أرض سار عليها أشرف الأنبياء صلى الله عليه وسلم, واحتضنت الدول الإسلامية الواحدة بعد الأخرى. لكنني أستغرب حال أولئك الذين اختصروا الوطن في قبيلة أو منطقة أو رقم أو مهرجان أو مزاين.
يقول قائل إن هذه الحفلات موجودة منذ القدم والتنوع شأن طبيعي نشاهده كل يوم, أقول: لقد كان المحتفون بالتنوع قريبي عهد بماض فيه من المآسي ما فيه, فكان الجميع يحتفلون بتراث متنوع مشترك. كان الملك فيصل- رحمه الله - يقف بين الصفوف في لون ''المراد'', وكان يقف معه رجال من قبائل شتى لا علاقة لهم بتاريخ ذلك اللون, وكان ابنه خالد يقف في صفوف ''الخطوة'' و''الزحفة'' في عسير بين أهلها، ويتشاركون مع آخرين هذه الرقصة الشعبية؛ لأن الجميع يؤمنون بتنوع الوطن وضرورة تماسك مكوناته مهما اختلف تاريخهم وشكل حياتهم قبل توحيد المملكة.
تبقى المسؤولية على كبار القوم بدءاً من الوالدين والمدرسة وإمام المسجد والجامع وصولاً إلى مسؤولي الدولة وشيوخ القبائل والمراجع الدينية والفئوية والمناطقية لنبذ مفاهيم الفرقة والعنصرية والتحزب الأعمى التي تنهش في جسد الوطن وتحرمه أعظم مكوناته من الأبناء والبنات الذين يقعون ضحايا لها.
التحدي الكبير هنا هو في القدرة على السمو فوق الصغائر، سواء كان ذلك في الزواج أو التوظيف أو الواسطة أو التفضيل أو حتى التواصل الاجتماعي. كلنا يعلم أن هذه القضايا من الصعوبة بمكان, لكننا نستطيع أن نتغلب عليها من خلال تحقيق العدالة التي يوجهنا نحوها ديننا الحنيف.
كل من يقرأ كلامي السابق لا بد أن يراجع نفسه وخصوصاً كبار المسؤولين الذين يجب أن يغلِّبوا العدل بين مرؤوسيهم ويعطوا كل ذي حق حقه بغض النظر عن انتمائه أو فئته أو منطقته. يعلم الكثير أن هذه القضية هي الموجه للكثير من التناحر والاختلاف والغضب في المجتمع, أمر نبه إليه الإسلام قبل أربعة عشر قرناً، إذ جعل العدل أساساً للتقوى, مصداق ذلك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
يحث الإسلام كذلك على إلغاء التفرقة والعنصرية المبنية على معيار عدا الأخوة في الدين, يقول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- ''سلمان منا آل البيت'', وسلمان- رضي الله- عنه من فارس, هذا بعد أن آخى الرسول الكريم بين المهاجرين والأنصار الذين اختاروا أن يقتسموا أموالهم وممتلكاتهم الدنيوية مع إخوانهم المهاجرين, بل إن أحدهم عرض على أخيه أن يختار إحدى زوجتيه ليطلقها ليتزوجها أخوه المهاجر. فما بالنا نعود إلى الوراء ونحرم أنفسنا من أخوة لنا نقتسم معهم الوطن والدين والمستقبل, ذاك لعمري أمر خطير.
يجب أن نقاوم كل دعوات الفرقة والتحزب الأعمى المبني على أمور لا علاقة لنا بها, فالواحد منا لم يختر أباه أو أمه أو قبيلته أو مكان ميلاده. لنحرم كل من يحاول أن يفتِّتنا فرصة النيل من وطننا بدعم فئة أو الإيحاء بتفوق أو مظلومية منطقة أو قبيلة. مسؤولية كبرى تؤكد ضرورتها الأحداث من حولنا والحقائق التي نتداولها في مجالسنا وتجمعاتنا. ليس لهذا الوطن سوى أبنائه, ولن تستطيع فئة أو قبيلة أو منطقة أن تتمتع بمفردها بنفس المزايا والعظمة الدينية والوفرة المالية والتنوع الثقافي والبشري.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي