إدارة الأزمة المصرية
سأتحدث في هذا المقال من وجهة نظر إدارية بحتة، بعيداً عن التجاذبات والخلافات السياسية، التي هي نتيجة حتمية لأزمة الإدارة في الحكومة المصرية. قرأت تقارير تتحدث عن نقص الوقود في محطات الخدمة، والتدمير الذي سببه نقل المساجين من محافظة إلى محافظة في جنح الظلام، الذي لم يستثن القضاء. تأتي في السياق نفسه المشكلات التي يواجهها رجال الشرطة والكم الكبير من انعدام الثقة والاحترام والهيبة للدولة وممثليها.
تستمر المشكلات في الظهور، والخاسر الأكبر هو المواطن الذي فقد الأمن والقدرة الاقتصادية، لدرجة أن أعداد من ينضمون للخارجين على الدولة في تزايد مستمر، ويبدو أن الحكومة غير قادرة على ابتكار حلول واستعادة المبادرة، فهي تحولت إلى حالة إطفاء الحرائق بدل التخطيط والعمل لتفادي هذه الحرائق. إشكاليات كثيرة يمكن النظر إليها من وجهة نظر إدارية والتعامل معها على هذا الأساس بعيداً عن تدخل السياسة والسياسيين والأحزاب والمصالح الشخصية التي يحاول كل طرف أن يحققها، من خلال اختلاق أو تضخيم الأزمات التي تواجهها الدولة الوليدة في مصر.
لننظر إلى الموضوع من مفهوم إدارة الأزمة، وهو ما يجب أن يفكر فيه كل وزير ومسؤول في الدولة المصرية، خصوصاً أن الوضع أصبح يستدعي التعامل السريع والحاسم لإعادة التوازن، وتمكين الدولة من فرض القانون وحماية الأمن العام الذي هو أساس كل نجاح. تنقسم إدارة الأزمة إلى ثلاث مراحل:
مرحلة ما قبل الأزمة: فيها يتم الإعداد لكل الأزمات التي يمكن أن تواجهها الوزارة أو الجهة التنفيذية أو الفروع التابعة لها. في هذه المرحلة يتم تحديد الفرق بين الحالة الطارئة والأزمة والكارثة، وهي ثلاثة عناصر لا بد أن تتعايش معها الجهة وتضع لكل منها الخطط المناسبة. الحالة الطارئة هي جزء من تركيبة العمل اليومي، حيث تستدعي إيجاد إدارات تتعامل معها وتتخصص فيها، وتستطيع أن تحل الحالات الطارئة بمختلف أنواعها. أقرب ما يمكن أن نمثل به هو أقسام الطوارئ في المستشفيات أو شركات الخدمات.
يوضع للحالات الطارئة تصنيف وإجراءات عمل واضحة ومستديمة، وتوفر للتعامل معها الإمكانات بشكل فوري؛ حتى لا تكون صداعاً يشغل كبار المسؤولين عن أعمالهم الأكثر تعقيداً. تستطيع المنظومة بشكل عام أن تتعامل مع الحالة الطارئة بإمكانات الإدارات والتجهيزات المتوافرة مثلها مثل أقسام الطوارئ وما تحويه من أطباء وطواقم تمريض ومختبرات وأقسام وغرف عمليات وغيرها.
خلال هذه المرحلة يتم التعرف على الأزمات التي يمكن أن تواجهها المنظومة من خلال تكوين فريق الأزمة الذي يشمل ممثلين لكل أجهزة الوزارة وفروعها، ويمكن أن يضم استشاريين متخصصين في التنبؤ والدراسات الإحصائية. يقوم فريق إدارة الأزمة بتنفيذ مهام أساسية قبل الأزمة تشمل:
- تحديد الأزمات التي يمكن أن يواجهها القطاع: وهي عملية تتم بناءً على أساليب علمية وإدارية ترتكز إلى معرفة الواقع، والمقارنة بالماضي والتعرف على كل المؤثرات الداخلية والخارجية، إضافة إلى البناء على دراسات سابقة وحالات واقعية حدثت في دول أخرى، مثل الفيضانات والأعاصير وأعمال التخريب. لا بد أن يكون فريق الأزمة من القدرة والمعرفة والتمكن بحيث يستطيع أن يقدم جرداً لكل أزمة يمكن أن تقع في الدولة.
- تحديد مؤشرات حدوث الأزمة: وبالتطبيق على الحالة المصرية يمكن توقع كثير من الأزمات التي واجهتها الدولة قبل وقوعها من خلال المؤثرات الجانبية والمؤشرات الدالة فأحداث ستاد بورسعيد كانت واضحة المعالم قبل أن تقع، وكان سلوك رجال الشرطة معيباً لدرجة أفقدتهم الثقة. تضاف إلى ذلك قضية نقص المواد البترولية في المحطات التي يملك أغلبيتها أعضاء في نظام الحكم السابق، والاعتداءات على رجال الشرطة ما هي سوى ردود أفعال على سوء إدارة الأزمة من قبل وزارة الداخلية.
- تحديد أساليب التعامل مع الأزمة: هنا يتم تحديد إجراءات محاصرة الأزمة وحلها تضع في حسبانها نوع الأزمة وحجمها والمتأثرين بها والمسببين لها والعوامل المحيطة. يمكن في هذه المرحلة تنفيذ سيناريوهات للأزمة وتدريب الجميع عليها من الوزير إلى أصغر الموظفين، وقد يطول ذلك المقاولين وذوي العلاقة بالجهة.
مرحلة حدوث الأزمة: يستمر العمل في هذه المرحلة في مراقبة المؤشرات الدالة على حدوث الأزمة. يغلب على جميع الأزمات ظواهر دالة لا بد أن تكون تحت المراقبة، وهي مثل أجهزة مراقبة الزلازل، لكنها إدارية تأخذ في الحسبان إشارات قد لا تكون واضحة لغير الخبير. يجب أن تكون لدى الوزارة أساليب لمراقبة الوضع والإبلاغ عن أي شذوذ.
يبدأ المسؤولون في التعامل مع الأزمة بمحاصرتها بداية من الناحية الجغرافية والإدارية والبيئية حسب المخطط، ويتم تفعيل مركز إدارة الأزمة الذي يوجد فيه أكبر المسؤولين، ويحصل على المعلومات من جميع نقاط الرصد الموجودة، أو التي تضاف عند حدوث الأزمة. يتم خلال هذه المرحلة إصدار القرارات بطريقة تفاعلية واضحة. توثق جميع القرارات من خلال إعلانها في المركز وتسجيلها في قائمة التسلسل الزمني الذي يسجله فريق الأزمة.
مرحلة ما بعد الأزمة: وهي مرحلة يتم فيها حصر الأضرار والتعرف على الدروس المستفادة من الأزمة ووضعها ضمن برنامج إعادة تأهيل المديرين وتعديل الخطط بناءً على هذه المخرجات.
يلاحظ القارئ أن أهم مرحلة هي مرحلة ما قبل الأزمة، حيث يكون العمل تخطيطياً ويعتمد على المعلومات والإحصاءات والدراسات وينفذه أفضل موظفي الوزارة أو الفرع في عنصري الخبرة والكفاءة. أعتقد أنه لو كانت هناك إدارات أزمة فاعلة لما حدثت كثير من التطورات التي لا تزال تعوق الدولة وتضر بمصالح المواطن، وتسيء بالتالي لمخرجات الثورة، وتزيد من الانقسام والعداوات التي تنبئ بمستقبل مظلم وعواقب وخيمة.