أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله
يقول الراوي يا سادة يا كرام: كان شيخ كبير متبحر في العلم يقطن أرض الشام. أحبه الناس وتوافدوا عليه من كل الأقطار. حدَّث ودعا إلى الله وإلى دين الإسلام. كسب التقدير والحب من كل الأنام. ظهرت الفتنة في الأرض، وهي امتحان لكل عالم، وكل رجل همام. خشي الشيخ على نفسه وأهل بيته من تلك الفتنة الخطيرة، وعاقبتِها التي ستأكل الأخضر واليابس في بلاده الكبيرة. ظن أن الناس ثاروا بحثاً عن السلطة، ولم يكن يعتقد أن الفقراء سيصمدون على تلك الوتيرة.
كان الشيخ يرى الظلم، ويرى القهر، والفساد. كان فساد المعتقد هو القاعدة وما عداه شذوذ. العسكر يسحبون الناس من الشوارع، ويدخلونهم في الغياهب لأنهم موحدون؛ لأنهم يرفضون ذلك الظلم، وذلك القهر. خطب الشيخ ضد الثورة؛ لأنه كان يعلم أن الموت مصير محتوم لكل من يقوم ضد ذلك النظام الفاسد. كان يريد للناس ألا يخرجوا خوفاً على نفسه وعليهم.
أرغمه النظام ليقف على المنبر، ويسب الثورة، ويدعو على الثوار. فعل وكأنه يتجرع السم، وذهب في ذلك إلى الفتوى بما لا يؤمن به. صعق المسلمون في كل الأرض، فالظن كان أن يعتزل الشيخ الناس، ويترك الجموع ما دام لا يستطيع أن يقف في وجه ذلك الشيطان. كان الشيخ يريد ذلك، لكنه لم يكن صاحب القرار. الشبيحة كانوا يحومون حوله، ويرسمون مساراً مختلفاً لخطبه، وأقواله. وجَّهوه لقول ما يريدون وليس ما يؤمن به. فقال بقولهم، وسار على نهجهم أملاً في أن يحقن الدماء، وأن يعود الثوار إلى بيوتهم.
لكن الحال لم يتغير، وبدأ الشيخ يراجع نفسه مع تزايد تأنيب الضمير. أمسى لا ينام الليل من القهر. يدعو في صلاته أن يلهمه الله القوة لقول كلمة حق في وجه ذلك السلطان الجائر. حدَّث المقربين بآلامه، وما يشعر به من ضرورة قول الحق. فالعمر واحد، و100 ألف من أبناء البلاد قتلوا من هذا المجرم الحاقد. واستشهد بمن سبقوه من علماء الأمة الأماجد، فإذا كان السجن، فقد سبقه إليه ابن حنبل فأصبح علمه سائدا، وبقي الإمام مرجعاً بعد موته وهلك الحاكم والعالم كله شاهد.
كانت أجهزة التنصت تنقل كل نفس للشيخ، وكان أول من سمعه فروع المعلومات السبعة. فتسابقوا بالخبر للقائد الهمام، وقد كان يضع الشيخ ضمن مخاوفه بسبب سمعته. اجتمع الحاكم بزمرته، وأخذ يستقبل الآراء عن كيفية التخلص من الشيخ قبل أن ينشر فكرته، ويقلب الطاولة على النظام برمته. سبق أن هددوه؛ لأنه كان كل مرة يتشدد في معارضته، وشكّوا في أنه سيأتي اليوم الذي يستخدمون فيه الشيخ لقتل الثورة.
يعلم النظام كيف ينقلب على أقرب أقربائه. سبق أن انقلب النظام على حاكم خليجي دعمهم وصرف الأموال بكل سخاء لحمايتهم. اشترى لهم السلاح وقاطع بسببهم دول كبرى كانت تريد ضربهم بالطائرات والصواريخ، فأساء الغرُ له بكلمات قبيحة تعكس تفكيره الفج المريض، هو نظام لا مبدأ له ولا أخلاقيات؛ لأنه متلون لا يقبل المنطق؛ ولأنه مجرم لا يطيق إلا المتملق، وظالم لا يستمع لقول الحق، بل يعتبر من يقوله منشقا.
انقلب النظام أيضاً على أهل لبنان فحاربهم بدل أن يحميهم، ووضع لنفسه دمية يحركها لتهددهم. انقلب عندما قتل الحريري واغتال تويني والجميل وفليحان وقصير، وأخيراً اللواء الحسن. ترك البلاد دماراً، والأرض قاحلة لا تحتمل الاتفاق أو التوافق أو الحياة. انقلب على العراق وتركيا، فكيف بالأفراد المساكين.
لكن ما الطريقة المثلى للتخلص من الشيخ والاستفادة في الوقت نفسه من قتله للإساءة للمعارضة. سؤال قد يسأله من لا يعرف النظام ودهاليزه. سؤال بسيط يبحث عن إجابته البسطاء، أما حزب ''الجحش'' فلن تعوقه الفكرة، وإنما يعيقه كيف يصل إلى مجموعة أهداف من اغتيال الشيخ، فهدف واحد لا يكفي من عاشوا على القتل، واستمرأوا شرب الدماء وأكل الوحل.
أتى بالفكرة الشخص نفسه الذي اقترح استخدام الكيماوي واتهام المعارضة باستخدامه، الرجل نفسه الذي قرر تفجير مستشفى في حمص وأعد فرق المصورين والمذيعين ليهرعوا لتصوير الحادث باعتباره سبقاً صحافياً تكشف فيه الدولة ما تفعله المعارضة. وأي مكان يمكن أن يضر بالمعارضة لدى الرأي العام في الدولة وفي العالم، أكثر من المسجد. لنجعل من الشيخ ياسين النظام، لنفجر المسجد حيث يصلي في وقت يكون المسجد غاصاً بالمصلين فنتخلص من الشيخ وأكبر عدد ممن يصلون معه، خصوصاً ابنه الذي يعلم نواياه. ثم نتهم الثوار بقتل الشيخ، وبهذا نضمن أن نُسكت الشيخ عن البوح بما يكنُّه صدره، ونصور قتله على أنه من أعمال الثوار، فنكسب تعاطف العالم.
لكن الكاميرات حين هرعت للمكان، ووجد المصورون شبيحة يرتبون الموقع ليظهر بالطريقة التي يحبون، كشفت أن النظام لم يعد يضحك على أحد، وأن خدعه تهاوت الواحدة بعد الأخرى، وخدعة مقتل ''البوطي'' ستقض مضجع الأسد.