صائد الشمس وجامعة الحفاة
جامعة فريدة من نوعها أنشئت في ولاية راجستان الهندية، طلابها أميون وأساتذتها يشترط ألا يكونوا من حملة الشهادات العليا، بل يفضل أن يكونوا من الفاشلين وممن لم يكملوا تعليمهم! ومع ذلك تُخرج مهندسين للطاقة وأطباء وأطباء أسنان ومعماريين.
إنها كلية الواقع تعتمد على خبرات الناس وتعيد إيجادها من جديد، أسسها المتصوف الهندي "بنكر روي" خريج أرقى الجامعات الهندية والذي كان يُتنبأ له أن يتقلد كرسيا نيابيا أو يكون طبيبا أو مهندسا يشار إليه بالبنان، ولكنه ترك ذلك كله وغيّر حياته بعد أن زار إحدى القرى الهندية وشاهد الناس تموت جوعا، واتجه بعدها إلى قرية والده الفقيرة التي تقع على قمة جبل وصنع ما لم تستطع الحكومات صنعه. لقد خالط الناس وتعرف على أحلامهم ثم شرع في تحقيقها ولكن بأيديهم!
عندما قرر المكوث في القرية استغرب أهلها وظنوا أنه هارب من العدالة أو فاشل في دراسته! وبعد أن عرفوا نيته ساعدوه، وشرع في إنشاء كلية الحفاة التي تعتمد في الأساس على استغلال مهارات أهل القرية وشرط القبول فيها أن تكون "محترفا" أي لديك كفاءة وثقة وإيمان بما تعمل، فمثلا عراف الماء محترف، والقابلة محترفة. وانطلق في تحويل كل ما يعتقد الفقراء بأهميته إلى مادة تدرس وتطبق في القرية (ألم أقل لكم إنها كلية الواقع) إنها الكلية الوحيدة في العالم التي يكون فيها المعلم متعلما والعكس، كما أنها لا تمنح شهادات، يقول روي: أنت لا تحتاج إلى شهادة لتعلقها على الجدار تثبت أنك مهندس!. شهادتك ما تقوم به على أرض الواقع، لذا تم بناء الكلية عام 1986 بواسطة 12 مهندسا معماريا من كلية الحفاة الذين لا يجيدون القراءة والكتابة ورغم ذلك حصلوا على جائزة "الأغا خان" للعمارة عام 2002، ولأنه تم التشكيك في إمكانية أن يكون هذا العمل من إنتاج أُميين أعادوا الجائزة لمنظميها والتي تبلغ 50 ألف دولار!
فعندما سَأل بنكر أحد أصحاب المؤهلات الورقية عن إمكانية البناء والزراعة في هذه الأرض قال له (مستحيل أنسى الأمر) وعاد وسأل السؤال نفسه لأحد رجالات القرية فقال نعم يمكنك فعل الكثير، لذا أصبحت الكلية على ما هي عليه اليوم!
كان يختلط بأهل القرية ويسألهم عن أمانيهم، قال له أحد كبار السن: نحن في منطقة جبلية ينزل علينا المطر ثم يتسرب للوادي فلماذا لا نصطاد المطر؟ فقاموا بحجز مياه الأمطار من أسطح المنازل وتجميعها في خزان تبلغ سعته 400 ألف لتر يكفي لأربع سنوات لا ينزل فيها المطر. وقال آخر سمعت عن استخدام الشمس في توليد الطاقة فهل نستطيع اصطياد الشمس؟ وبالفعل تمكنوا من استغلال الطاقة الشمسية لإنارة القرية كاملة وإشعال المواقد للطهي بعد شراء مواقد صينية تعمل بالطاقة الشمسية والتعرف على سر صناعتها, ونفذ الفكرة كاهن هندي لم يدخل المدرسة، ولكنه يعرف عن الطاقة الشمسية أكثر من المهندسين المختصين!
والغريب في هذه الكلية أن أغلب المتدربين ومنفذي الأفكار هم من النساء الأميات وخصوصا الجدات! حتى أنهم قاموا بتدريب نساء عدة دول دون أن تجمعهم بهم أي لغة، وكانوا يكتفون بالإشارات ولغة الجسد! أما الأطفال فحظوا بالتعليم الليلي وعُمِل لهم برلمان ووزراء ورئيسة وزراء منتخبة بعد أن علموهم الديمقراطية والوطنية ويشرفون على 150 مدرسة تحوي سبعة آلاف طالب وفازت رئيسة وزرائهم بجائزة الطفولة عام 2005 وبهرت ملكة السويد بثقتها وشخصيتها. كما لم يعدم وسيلة للتفاهم والتواصل مع الأميين وابتكر طريقة مدهشة للتحاور معهم عن طريق الدمى!
يقول غاندي: في البداية يتجاهلونك ثم يضحكون عليك ثم يحاربونك وبعدها تنتصر.